“فرنسا تستعمل أشباه الجزائريين من الشواذ والمخنثين والمثليين والمرتزقة ضد بلدهم”، كان هذا تصريح وزير الداخلية الجزائري مهاجمًا الثوار، ومن المنتظر أن يُنظم هذا الوزير الانتخابات الرئاسية الأسبوع القادم بنزاهة وشفافية وحيادية، ولا تختلف نظرة الوزير الجزائري عن نظرة أمثاله في مصر، وباقي دول المنطقة العربية.

وأثار وزير الداخلية الجزائري، صلاح الدين دحمون، الجدل بعدما هاجم بعنف المعارضين للانتخابات الرئاسية المقررة في 12 ديسمبر، واصفًا إياهم بأنهم “خونة ومرتزقة ومثليون جنسيًّا وبقايا استعمار”!

دماء الربيع

وربما ليست الجزائر المنكوبة بالعسكر أحسن حالا من مصر، وخلال سنة واحدة بعد انطلاقة الربيع العربي عام 2011، بدأت الثورة المضادة تلملم أوراقها وتستعيد قوتها في المنطقة، منطلقة من منصات دعم ورعاية أبرزها المنصة السعودية والإماراتية.

ووصلت هذه الثورة إلى ذروة نجاحها بعد الغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسي، ورميه في غيابات جب عميق، دخلت معه أرض الكنانة في نيل آخر من الدماء، وبدأ التراجع يغزو كل بلدان الربيع.

ست سنوات عجاف مضت لعبت فيها عواصف الدماء والجراح بحواضر عربية عريقة، وكتب الدم فصولًا مأساوية، ثأرًا من الربيع العربي الذي انطلق عام 2011 من تحت ركام كثير من المظالم السياسية والاجتماعية والإحباطات التي تراكمت على الشباب العربي في أكثر بلدانه.

في الربيع العربي، تعثّرت المسيرة وتطايرت الأوراق وتعارضت الأهداف والمسارات، فأخذت الثورة المضادة الزمام، وعادت الأنظمة المطاح بها من جديد إلى الواجهة، واستطاعت أنظمة أخرى تحصين ذاتها بأسوار أكثر عنفًا وقساوة من الواقع الذي أنبت ربيع العرب.

ورغم أن الربيع العربي بات التاريخ المنقوم عليه في الإعلام الرسمي وفي كثير من الخطابات السياسية الرسمية وغير الرسمية، فإنه لا يزال يطل برأسه من تحت الركام ويقض مضاجع الثورة المضادة، التي يبدو أنها هي الأخرى شاخت في المهد، وبدأت تواجه عواصف متعددة من كل النواحي.

قيمة الإنسان

ولا يملك الإنسان العربي قيمة في وطنه لأسباب عديدة، أهمها انعدام وعيه هو نفسه بهذه القيمة، ووقوعه في شباك المنظومة الإعلامية التابعة للسلطة الاستبدادية، التي تلعب دورًا محوريًّا في إقناعه بقدسية النظام وبهامشيته هو.

لكنّ ثورات الربيع الأخيرة أعادت إلى السطح الوعي بقيمة الفرد المهمّش، الذي أضحى فجأة قادرا على الفعل وعلى قلب نظام الحكم، وليس مثال محمد البوعزيزي الشاب الفقير، الذي كان سببًا في الإطاحة بنظام الطاغية التونسي، إلا خير دليل على ذلك.

وإذا كانت المنطقة العربية هي الأكثر دموية في العالم، بحساب عدد الحروب والصراعات التي تدور بها، فإن مصير الإنسان داخل دول هذه المنطقة لا يقل قيمة عن مصيره على جبهات الحروب.

وليس للمواطن العربي الحق في الانتخاب ولا في التعبير، أو ممارسة حقوقه الفردية والمدنية، بل هو أقرب إلى وضع الرعية في النظام الشمولي، وليس احتراق قطار هنا وانزلاق حافلة هناك، وانتشار الأوبئة والأمراض والسرطانات في قرى بكاملها، بسبب فساد الدولة إلا خير دليل على ذلك.

واستطاعت الثورات المضادة تدمير الربيع العربي وتحويله إلى شقائق نعمان دامية في سوريا واليمن وليبيا ومصر، وتم القضاء عليه باكرا في بلدان أخرى منها الجزائر والعراق والسودان وموريتانيا، بينما انحنى المغرب للعاصفة الثورية، منجزا بذلك جزءا من الاستثناءات المغربية عبر مسار توافقي شاركت فيه مختلف أطراف المشهد السياسي.

وبقيت سوريا تواجه الأمرّين، بين نيران متعددة المصادر متعارضة الاتجاهات، كتبت فصلا داميًا في أم المدائن دمشق، وبناتها المحروقات بلهب الرصاص المتدفق، وتجمعت ضباع الأزمات على جسد الأرض السورية، وسعت الثورة المضادة وظهيرها الإقليمي والدولي لتحويل سوريا إلى مقبرة لحُلم الحرية والتحرر، وحدثت أبرز التحولات في مسار الثورة بعد التدخل العسكري الروسي ميدانيا مطلع العام 2016، بالتزامن مع تراجع الدعم الإقليمي لقوى الثورة.

وفي اليمن، مزقت نيران الثورة المضادة مهد العرب مرتين؛ حين انقلبت على نتائج الثورة على يد الحوثيين وبتشجيع ودعم من السعودية والإمارات، كما أكدت ذلك مصادر إعلامية متعددة، ومرة أخرى حين حوّلت عاصفة الحزم وأخواتها اليمن السعيد إلى أكثر بلد مجاعة وشقاء في العالم، وفق بيانات الأمم المتحدة.

Facebook Comments