قطب العربي قيادي في جماعة الاخوان المسلمين

لم يعد الحديث عن الهجرة بالنسبة للكثيرين في عالمنا العربي والإسلامي محض ذكريات ودروس وعبر للهجرة النبوية التي نحتفي بذكراها حاليا، بل أصبح حدثا متجددا نعيش فيه، ونستدعي فقط معاناة المهاجرين الأوائل لنهون بها على أنفسنا ما نعانيه.

لا يكاد يوجد شعب من شعوبنا العربية إلا مر الكثير أو القليل من أبنائه بتجربة الهجرة، ولا أقصد هنا الهجرة بحثا عن فرص عمل أو للدراسة وهي مقدرة بالتأكيد، ولكن القصد هو الهجرة السياسية أي التي يضطر إليها النشطاء والسياسيون وأصحاب المبادئ عموما فرارا بمبادئهم وحرياتهم من جحيم أنظمة عسكرية وقمعية لا تطيق كلمة الحرية وتدوسها بالمدرعات والمجنزرات، وتلقي باصحابها في غياهب السجون والمعتقلات، وانتقالا إلى إلى جبهة مقاومة جديدة يتيحها المهجر الجديد.

انظر حولك في أي دار هجرة حاليا، سواء في أوروبا أو آسيا أو أمريكا الشمالية أو الجنوبية أو بعض البلدان العربية والإسلامية، ستجد أشتاتا من المهاجرين العرب والمسلمين فرارا بدينهم أو مبادئهم أو حرياتهم وكرامتهم، ستجد مصريين وليبيين وسوريين وعراقيين وسودانيين وسعوديين، ويمنيين، وبحرينيين، ومسلمين صينيين وتايلانديين وتتريين، وقبل كل أولئك الفلسطينيين.. هؤلاء لم يخرجوا بحثا عن متعة، أو تجارة أو سياحة، لكنهم خرجوا من بلادهم وهي عزيزة عليهم بسبب تحولها إلى جمهوريات أو ممالك خوف ورعب، لا يأمن فيها الإنسان على نفسه وأهل بيته بسبب انتماءاته السياسية أو الدينية (فمن كانت هجرته لله ورسوله فهي لله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)..

بالتأكيد ليست الهجرة هي الخيار الأمثل في مواجهة الظلم والاستبداد، بل الأفضل هو استمرار المواجهة من داخل الأوطان وعلى أرضها، ولكن حين تسد أمامك كل السبل لقول كلمة الحق، والتحرك للتغيير السلمي وفقا للقوانين بما فيها القوانين الظالمة فليس أمامك سوى الهجرة إلى مكان آمن تستطيع فيه التحرك ضد الظلم والاستبداد في وطنك، وهنا يحضرنا قول الله تعالى في سورة النساء:

“(96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّا غَفُورا (99) وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرضِ مُرَاغَما كَثِيرا وَسَعَة وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورا رَّحِيما” (النساء 96- 99).

(بالمناسبة حديث لا هجرة بعد الفتح حسب تفسير العلماء يقصد لا هجرة من مكة بعد أن فتحها المسلمون، ولا يعني انتهاء الهجرة التي لا تنقطع إلا بانقطاع التوبة وفقا لحديث آخر).

الاستضعاف في الأرض، تحت قمع المستبدين ليس مبررا لقبول الظلم والاستبداد وهدر الكرامة، خاصة أن أرض الله واسعة، وأن هناك الكثير من الأماكن التي توفر مكانا آمنا لأصحاب الرأي الفارين من الاستبداد، وهو ما تقره المواثيق الدولية في ما يعرف بحق اللجوء السياسي الذي يمنح لكل من يشعر بخطر على حياته وأمنه وكرامته في دولته. ولعل الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم الثانية إلى المدينة المنورة؛ كانتا بمثابة لجوء سياسي مبكر، وخلال تلكما الهجرتين أو اللجوء السياسي، ظل المسلمون المهاجرون أوفياء لقضيتهم، يعدون أنفسهم لعودة مظفرة إلى مكة المكرمة، وهو ما تحقق لهم بعد عشر سنين.

الشعور بأن الهجرة هي في سبيل الله وأنها من أجل الوطن والحرية والكرامة؛ يخفف كثيرا على المهاجرين الذين يعيشون ظروفا صعبة في المنافي، ولا يستطيعون أن يوفروا لذويهم نصف ما كانوا يعيشون به في بلدانهم الأصلية، بل إن الكثيرين منهم لا يجدون الحد الأدنى للعيش الكريم، ومع ذلك فإنهم يتقاسمون اللقمة مع غيرهم ولا ينسون القضية التي خرجوا من أجلها.

يتطاول البعض قصدا أو جهلا على المهاجرين، ويرددون بحقهم دعايات كاذبة تصنعها أجهزة القمع والاستبداد الذي فروا منه، ومن ذلك فإنهم يعيشون رغد العيش في القصور والفنادق، وأنهم يحصلون على منح ورواتب خيالية، وأنهم يقضون جل أوقاتهم على الشواطئ والمتنزهات ضاربين بعرض الحائط آلام السجناء وأسرهم، وآلام المشردين خلفهم داخل أوطانهم، وهي دعايات تستهدف بث الفرقة والوقيعة بين هؤلاء المهاجرين أو المعارضين في الخارج؛ وبين المقاومين في الداخل، سواء من اختاروا البقاء طواعية رغم تكلفته العالية، أو من اضطروا للبقاء لعدم قدرتهم على الهجرة. ويكون الكاسب الوحيد من هذه الوقيعة هو سلطات القمع والاستبداد التي تتعامل كسلطات الاحتلال بميدأ فرق تسد.

هجرة اليوم سبقتها هجرات أخرى في منذ الخمسينيات وحتى حدوث ثورات الربيع العربي، ومن ذلك هجرة الإخوان المسلمين المصريين إلى دول أوروبية وخليجية، خاصة السعودية في الستينيات، والإخوان السوريين إلى دول أخرى وفي مقدمتها العراق (استثمارا للخلاف بين جناحي حزب البعث في ذلك الوقت)، كما هاجر قادة وكوادر حركة النهضة التونسية إلى لندن وباريس والسودان ثم عادوا إلى بلدهم بعد انتصار ثورتها، وهو ما تكرر قبلهم مع جبهة التحرير الجزائرية التي لجأت إلى مصر وقادت منها النضال ضد الاستعمار الفرنسي، كما لجأت الأسرة الحاكمة والكثير من الكويتيين إلى السعودية ومصر ودول أخرى إبان الغزو العراقي للكويت، ثم عادوا عقب تحريرها. والخلاصة هنا، أن الهجرة في الأغلب هي هجرة مؤقتة تنتهي بمجرد انتفاء غرضها.

تبدو القاعدة العامة للمهاجرين سليمة في حفاظها على مبادئها، وبذل ما في وسعها لتحرير شعوبها، ولكن ما يعكر صفو هذه القاعدة ويمثل اسثناء عليها؛ هو ظهور أصوات نشاز في أوساط المهاجرين تشغل الجميع بمعارك وهمية ومادية وشخصية ثنائية أو بين مجموعات صغيرة، وهو ما تستخدمه أذرع الاستبداد لتشويه صورة المهاجرين عموما، كما أن هذه القلة هي التي توفر المعلومات مجانا للأنظمة المستبدة عن خصومهم السياسيين المهاجرين.. إنهم طحالب وفطريات تنشأ وتترعرع في الماء الآسن.
نقلا عن “عربي 21”

فيسبوك