بينما تهبط مصر إلى الحضيض في عالم الحريات، وتتراجع على مؤشر الصحافة إلى المركز 163 من بين 180 دولة على مستوى العالم، وتحتل المركز 161 العام الماضي، لتصبح بذلك من أخطر دول العالم للعمل الصحفي، ومن بين أسوأ عشر دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تتباهى صحيفة “اليوم السابع”، لسان حال المخابرات، بأنها تتصدر قائمة جوائز القاع!.

حيث أعلنت نقابة الصحفيين، التي تهيمن عليها عصابة الانقلاب، عن القائمة القصيرة للمرشحين للحصول على جوائز الصحافة المصرية، ويبلغ عدد فروع المسابقة 25 فرعًا، وتشهد تنافس أكثر من (569) صحفيًّا، جميعهم يعملون في صحف تتبع حكومة الانقلاب أو خاصة تطبل للعصابة.

وتشهد مسابقة جوائز الصحافة، فى نسختها هذا العام، مضاعفة قيمة الجوائز العامة لتبلغ ١٥ ألف جنيه للجائزة الأولى، و٨ آلاف جنيه للجائزة الثانية، ومن المقرر أن تجتمع لجان التحكيم وتعلن النتيجة النهائية وقائمة الفائزين خلال أيام.

وذكرت منظمة “مراسلون بلا حدود”، في تقريرها الأخير، أن الإعلاميين في المنطقة يئِنون تحت وطأة الاعتقالات التعسفية وعقوبات السجن في كل من السعودية ومصر والبحرين دون أن توجه لهم تهم رسمية يحاكمون عليها.

إرهاب الإعلام

“لا تكون أي ديمقراطية مكتملة دون توفّر إمكانية الحصول على معلومات شفافة وموثوقة. إنها حجر الزاوية لبناء مؤسسات عادلة ونزيهة، وإخضاع القيادات للمساءلة، ومواجهة من في يدهم السلطة بالحقائق”.. إذا كانت هذه الكلمات الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة هي الأرضية التي يجب أن تستند إليها قوانين الصحافة وتشريعاتها في العالم، فإن الأمر في مصر يختلف كلية وتفصيلًا.

وبينما تتباهى “اليوم السابع” بتصدر قائمة المرشحين لجوائز المخابرات، فإن جراح الأسرة الصحفية المصرية لم تلتئم بعد، فلا يزال ثوب حرياتهم مرقعًا بعد انقلاب 30 يونيو 2013، بين اعتقالات وكبت وتضييق خناق وملاحقات وترهيب وغلق صحف وحجب مواقع، الأمر الذي أفقد المهنة الكثير من روادها ممن آثروا الخروج من المشهد، إما خوفًا أو بحثًا عن مصدر رزق أكثر آدمية.

وإذا كان الإعلان الذي أقرّته منظمة اليونسكو قد أقر أنّه لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا بضمان بيئة إعلامية حرّة ومستقلّة وقائمة على التعدّدية، وهذا شرط مسبق لضمان أمن الصحفيين أثناء تأدية مهامهم، ولكفالة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقًا سريعًا ودقيقًا، فإن الوضع في وجود جنرال الانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي على رأس السلطة أبعد ما يكون عن ذلك.

وإذا كانت منظمة “مراسلون بلا حدود” قد عنونت تقرير العام الماضي بـ”كراهية الصحافة تُهدِّد الديمقراطيات”، مستخدمة ولأول مرة مصطلح “إرهاب الإعلام”، فإنها في هذا العام أكّدت ما ذهبت إليه سابقًا، إذ عنونت تقريرها لعام 2019 بـ”آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها”، ليبقى السؤال الأكثر جدلًا على الساحة: لماذا يخاف العسكر من الصحافة؟

مزيد من الكبت

وبعيدًا عن مزايدة “اليوم السابع”، شهد العام الأخير في مصر مزيدًا من الكبت وتضييق الخناق على العاملين في مجال الصحافة، وباتت قضايا حرية الرأي والتعبير على قائمة الاتهامات التي تنظر أمام نيابة أمن الدولة، حسبما أشارت “مؤسسة حرية الفكر والتعبير” المعنية بالحقوق والحريات.

المؤسسة، في تقريرها السنوي حول حرية التعبير في مصر عام 2018، أكدت استمرار ممارسات القمع من قبل سلطات الانقلاب بحق الصحفيين والإعلاميين بوجه عام بحجة قانون الطوارئ، الذي فرض في الربع الثاني من عام 2017، ويجدّد بشكل تلقائي من قبل برلمان الدم.

التقرير ركّز على استمرارية سياسة حجب المواقع الإلكترونية، والتي تجاوز عددها 500 موقع منذ 2017 وحتى الآن، ورغم المناشدات الدولية بالتخلي عن هذه السياسة إلا أن سلطات الانقلاب لم تلق لها بالًا، في ظل ما يثار بشأن غموض الجهة المسئولة عن هذه العملية.

عباس الزفر!

إعلان “اليوم السابع” عن تصدرها المشهد الصحفي المخابراتي، لا ينفك عن محاولات يبذلها اللواء عباس كامل، مدير جهاز المخابرات والذراع اليمنى للسفيه السيسي، لتجميل وجه العصابة القبيح، بعد القبض على المنتج الفني ياسر سليم، الذي تقول مصادر إنه ضابط مخابرات سابق كان ذراع السفيه السيسي في مجال الإنتاج الفني والإعلام.

وجاء القبض على سليم تنفيذا لحكم بالحبس في قضية تحرير شيكات دون رصيد للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهي المالكة لمجموعة “إعلام المصريين” التي تسيطر على غالبية وسائل الإعلام المصرية، والتي كان سليم نائب رئيس مجلس إدارتها.

ويعد “سقوط” سليم الثاني من نوعه بعد الإطاحة بضابط المخابرات أحمد شعبان من الإشراف على الملف الإعلامي، كما يأتي ذلك في ظل الحديث عن سحب ملف الإعلام من جهاز المخابرات العامة، بالتزامن مع أنباء عن إبعاد نجل السفيه السيسي من المخابرات، وإيفاده إلى الملحقية العسكرية المصرية في روسيا، إذ كان محمود السيسي- الذي كان يعد الرجل الثاني رسميا والأول عمليا داخل المخابرات- المسئول عن ملف الإعلام المصري.

ويتداول العاملون في الإعلام الخاص بمصر أن عصابة الانقلاب قررت تغيير سياستها تجاه الإعلام بعد فشل السياسة السابقة، التي كانت تعتمد على الاستحواذ والتحكم الكامل بشراء وسائل الإعلام، وذلك بعد تكبد الشركات الإعلامية المملوكة للأجهزة الأمنية خسائر فادحة، لتقرر عصابة الانقلاب العودة لسياسة ترك الملكية للقطاع الخاص وإدارة الإعلام من وراء الستار.

Facebook Comments