"مطالب العرب تتمثل في الاعتراف بهم مواطنين، لهم حقوقهم، فضلاً عن كون غالبيتهم يعانون جرّاء الحرمان الاقتصادي والسياسي والفساد الهائل"، كان ذلك عصارة مقال كتبه أحد الخبراء السياسيين ونشره موقع ميدل إيست آي البريطاني، ولم يستثن المقال الشعب المصري الذي لا يختلف حاله عن حال اللبنانيين بل ربما يكون أشد سوءًا من الجميع.

وفي لبنان ولليوم السادس عبّر المتظاهرون عن رفضهم لورقة الإصلاحات التي قدّمها رئيس الحكومة سعد الحريري، بعد مهلة 72 ساعة كان قد حدّدها لشركائه في الحكومة، من أجل إيجاد حلّ، عقب اندلاع المظاهرات؛ احتجاجًا على اقتراح بزيادة الضرائب، وسط تردي الأوضاع الاقتصادية.

وينادي متظاهرون ملؤوا العديد من الساحات والشوارع في مختلف المناطق اللبنانية، بما فيها وسط العاصمة بيروت، بمحاسبة الطبقة السياسية الفاسدة، واسترجاع ما يعتبرونها أموالاً منهوبة، ورفع السرية المصرفية عن كل من شغل منصبًا رسميًّا وكذلك المقرّبين منهم وتفعيل قانون "من أين لك هذا؟"، فضلاً عن مجابهة ما يعتبرونه "دولة المصارف".

الربيع قادم

وقال كاتب المقال "ألين غابون" إن: "الربيع العربي لم ينته ولكنه يكبر، وإن للشعوب العربية مطالب بنيل حقوقها السياسية وتسعى لوضع حد للقمع والإذلال وليس فقط لنيل حقوقها الاقتصادية ومكافحة الفساد المستشري"، وينتقد الكاتب الغرب على عدم مساندته هذه الشعوب في مطالبها الديمقراطية.

ويشير "ألين غابون" إلى أن أنظمة الدول العربية يائسة للحفاظ على قبضتها على السلطة مهما كلف الأمر، وأنها أصبحت أكثر وحشية وقمعية وإرهابية مما كانت عليه قبل الربيع العربي.

ويقول: إن تونس تعتبر استثناء بينما يعتبر السفاح بشار الأسد، والسفيه عبد الفتاح السيسي الأسوأ في ظل قمعهما لشعوبهما، ويضيف أن "الشعوب في المنطقة العربية تسعى إلى وضع حد لحياة القمع والإذلال التي يتعرضون لها في كثير من الأحيان على أيدي سلطاتهم الحاكمة، وإنهم يريدون كرامة إنسانية واجتماعية وحقوقا سياسية ومدنية".

ويعتبر "ألين غابون" إن "الوضع الراهن في العالم العربي غير قابل للاستمرار، وإنه لا يمكن العيش في ظله بالنسبة إلى معظم السكان، وإنه لهذا يعد من المنطقي ألا ينتهي الربيع العربي فعلا".

وينتقد الكاتب الغرب على عدم اتخاذه ردًّا على العنف المنتظم وغير المنتهي الذي تمارسه الأنظمة في العالم العربي لإخماد الاحتجاجات المشروعة، وعلى عدم مساندته المطالب الديمقراطية لهذه الشعوب.

الوعي الثوري

من جهته، قال المحلل السياسي صلاح القادري: إن الشعب التونسي باختياره قيس سعيّد بالانتخابات الرئاسية التي أجريت يكون قد أطلق شرارة لمرحلة جديدة من مراحل الربيع العربي، وبنفس الوقت وجه رسالة قوية للثورات المضادة التي أجهضت ثورات الربيع العربي في دول عدة.

ووفقًا للقادري، فإن التونسيين الذين أطلقوا شرارة الربيع العربي قبل ثماني سنوات إنما يواصلون طريقهم نحو الحرية، وهم انتقلوا الآن من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة المدنية التي طالب بها الربيع العربي.

واعتبر أن انتخاب قيس سعيّد بأغلبية ساحقة إنما هو بمثابة رسالة قوية باسم الشعوب العربية لقادة الثورات المضادة؛ حيث إن سعيّد ليس مرتهنًا لأي دولة أو جهة أجنبية، وهو يمثل ضمير الشعب وطموحاته، وبالتالي هو يقف ضد الثورات المضادة التي عملت على قتل طموح الشعوب العربية وأحلامها.

وأشار القادري إلى أن الشعب التونسي عرف جيدًا أن الثورات المضادة التي قادتها مصر والسعودية والإمارات لا يمكن لها صناعة نماذج اقتصادية حقوقية ومؤسسية، ولا يوجد تغيير دون ممارسة سياسية سلمية، وهو ما حافظ عليه التونسيون، كما أن الشباب التونسيين كانت لهم الكلمة الأعلى وسعوا لتغيير منظومة الحكم.

وبحسب القادري، فإن "ثورة تونس عام 2011 ألهمت الشعوب العروبية في مصر وليبيا واليمن، واليوم سينجح هذا الحراك السياسي في إيجاد أرضية مشتركة مع هذه الدول في ظل الحراك الذي تشهده الجزائر، وفشل الثورة المضادة في ليبيا، والحراك الأخير بمصر، ونجاح الشعب السوداني في إيقاف الانقلاب وتحقيق أهدافه، بالإضافة للوعي الثوري في اليمن الذي فهم أن الثورة المضادة تريد احتلال اليمن وسلب ثرواته".

Facebook Comments