شهد سعر صرف الدولار في مصر انخفاضا ملحوظا خلال الشهور الماضية، فمنذ السابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي ارتفعت قيمة الجنيه المصري، ليصل سعر صرف الدولار إلى 17.76 جنيه بعد أن استقر قبل ذلك عند حاجز 17.79. وقد وصل سعر صرف الدولار حاليا إلى 16.57 جنيه، وهو ما يعني فقد سعر الدولار في تلك الفترة 122 قرشا، بنسبة 6.9 في المئة.

وقد اعتبر ذلك كأنه إنجاز، وأن الوضع في مصر بات في الطريق الصحيح لتكون ضمن السبعة الكبار، كما ادعى ذلك أحد الأحزاب، فضلا عما تتغنى به الحكومة المصرية من تحقيق الاقتصاد المصري نموا بنسبة 5.7 في المئة في الربع الأخير من العام المالي الماضي (2018/2019)، في وقت تغيب فيه طبيعة هذا المعدل من حيث الكيف، فلا يمثل عدالة في التوزيع أو يكشف عن تطور في التوظيف، في ظل ما يشهده الشارع ويكتشفه بنفسه من انتشار الفقر وعدم القدرة على تلبية الحد الأدنى للمعيشة، والاتجاه الملحوظ نحو الانتحار.

وبنظرة فاحصة للمعطيات الاقتصادية للوقوف على الأسباب الاقتصادية لارتفاع سعر صرف الجنيه المصري، يمكننا الرجوع لبيانات البنك المركزي المصري من خلال أداء ميزان المدفوعات، عن التسعة شهور الأولى من العام المالي 2018/ 2019، (تموز/ يوليو – آذار/ مارس)، حيث كشفت عن تصاعد العجز في الميزان التجاري ليصل إلى 30 مليار دولار مقارنة بـ28 مليار دولار لنفس الفترة من العام السابق، بزيادة ملياري دولار، وبنسبة زيادة 7 في المئة، حيث ارتفعت حصيلة الصادرات السلعية بمعدل 11.2 في المئة، لتسجل نحو 20.9 مليار دولار (مقابل نحو 18.8 مليار دولار للعام السابق)، ويرجع ذلك أساسا إلى ارتفاع حصيلة الصادرات البترولية بمعدل 41.6 في المئة لتسجل نحو 8.5 مليار دولار (مقابل نحو ستة مليارات دولار)، بينما سجلت حصيلة الصادرات السلعية غير البترولية تراجعاً بمعدل 3.1 في المئة، لتسجل نحو 12.4 مليار دولار (مقابل نحو 12.8 مليار دولار). وفي المقابل، ارتفعت المدفوعات عن الواردات السلعية بمعدل 8.2 في المئة لتسجل نحو 50.7 مليار دولار (مقابل نحو 46.8 مليار دولار). ويرجع ذلك أساسا إلى ارتفاع المدفوعات عن الواردات السلعية غير البترولية بمعدل 11.8 في المئة، لتسجل نحو 41.9 مليار دولار (مقابل نحو 37.4 مليار دولار)، فيما انخفضت المدفوعات عن الواردات البترولية بمعدل 6.3 في المئة، لتسجل نحو 8.8 مليار دولار (مقابل نحو 9.4 مليار دولار).

كما زاد العجز بميزان دخل الاستثمار من 4.7 مليار دولار إلى 5.8 مليار دولار، بزيادة 1.1 مليار دولار، بنسبة زيادة 23 في المئة. وذلك لارتفاع مدفوعات دخل الاستثمار بنحو 1.2 مليار دولار، لتسجل نحو 6.5 مليار دولار، لزيادة تحويلات الأرباح شركات البترول الأجنبية. وفي المقابل، ارتفعت متحصلات دخل الاستثمار لتسجل 720.1 مليون دولار (مقابل 624.7 مليون دولار)، نتيجة لارتفاع كل من الفوائد على ودائع المصريين بالخارج، والأرباح المحولة من فروع الشركات المصرية في الخارج.

كما سجلت تحويلات المصريين بالخارج انخفاضا من 19.4 مليار دولار إلى 18.2 مليار دولار، بانخفاض قدره 1.2 مليار دولار، وبنسبة انخفاض 6 في المئة. ورغم ارتفاع الفائض في ميزان السفر إلى نحو7.3 مليار دولار (مقابل نحو5.5 مليار دولار)، وزيادة متحصلات رسوم المرور بقناة السويس بمعدل 2.8 في المئة لتسجل نحو 4.3 مليار دولار، فقد حقق ميزان المعاملات الجارية تصاعدا في العجز من 5.5 مليار دولار إلى 7.6 مليار دولار، بزيادة 2.1 مليار دولار، وبنسبة زيادة 38 في المئة.

كما انخفض الفائض بالحساب الرأسمالي والمالي من 19 مليار دولار إلى 7.7 مليار دولار، بانخفاض 11.3 مليار دولار، وبنسبة انخفاض 59 في المئة، حيث حققت المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق للداخل بلغ نحو7.8 مليار دولار، وذلك من خلال استقرار إجمالي التدفقات الداخلة للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر عند نحو 10.2 مليار دولار، كما سجل إجمالي التدفق للخارج نحو 5.6 مليار دولار، وبذلك بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر نحو 4.6 مليار دولار (تدفق للداخل)، حيث حققت الاستثمارات في قطاع البترول صافي تدفق للداخل بلغ نحو2.9 مليار دولار.

كما حققت الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات أو زيادة رؤوس الأموال؛ صافي تدفق للداخل بلغ 903.1 مليون دولار، وارتفعت التحويلات الواردة لشراء عقارات في مصر بمعرفة غير المقيمين لتصل إلى 725.7 مليون دولار. وسجلت الاستثمارات بمحفظة الأوراق المالية في مصر صافي تدفق للداخل بلغ نحو1.1 مليار دولار، حيث حققت تعاملات الأجانب في السندات المصرية المصدرة بالخارج صافي مشتريات بلغ نحو 3.0 مليار دولار، بينما حققت استثمارات الأجانب في الأذون الخزانة المصرية صافي مبيعات بلغ نحو1.8 مليار دولار، علما بأن استثمارات الأجانب في الأذون الخزانة المصرية حققت صافي مشتريات بلغ نحو 3.7 مليار دولار خلال الفترة كانون الثاني/ يناير- آذار/ مارس 2019. كما تراجع المستخدم من القروض والتسهيلات طويلة ومتوسطة الأجل ليسجل نحو5.1 مليار دولار (مقابل نحو6.7 مليار دولار)، بينما ارتفع إجمالي المسدد ليصل إلى نحو 2.1 مليار دولار (مقابل نحو 1.9 مليار دولار)، لتسفر الفترة عن صافي استخدام اقتصر على نحو ثلاثة مليارات دولار (مقابل نحو 4.8 مليار دولار).

إن هذه البيانات تعكس بوضوح أنه وفقا للمنطق الاقتصادي؛ لا يمكن أن يحقق الجنيه المصري هذا الارتفاع، وهو ما يؤكد أن يد البنك المركزي تعمل من خلال السياسة النقدية لتجميل الجنيه المصري بصورة مصطنعة ، بما يملكه من احتياطي مصدرة الديون، واستغلاله الفارق الشاسع لانخفاض الجنيه المصري بعد تعويمه، والذي تجاوز 100 في المئة، وهو ما يعكس أن هذا الارتفاع لسعر الجنيه المصري في حقيقته وهمٌ ومسألة وقت، في ظل تنامي الديون، وأقساط سدادها وضعف الاقتصاد الحقيقي، وخروج المال الساخن في أذون الخزانة، مع التوجه لخفض سعر الفائدة إن عاجلا أو آجلا.
نقلا عن “عربي21”

Facebook Comments