عندما تطالع وسائل الإعلام العالمية، وعدد من العربية، خلال الأيام القليلة الماضية، تصل إلى نتيجة سريعة مفادها أن الاقتصاد التركي على وشك الانهيار والإفلاس، أو ربما انهار بالفعل مع كتابة هذه السطور.

وأن أسطورة احتلال هذا الاقتصاد المرتبة 16 عالمياً، وفق مُعدَّل النموّ الحقيقيّ في الناتج المَحلّي، أو المرتبة 13 بين أكبر اقتصادات العالم، وفق الناتج المَحلّي الإجماليّ، قد انتهت إلى الأبد، وأن على الأتراك أن يبدأوا من النقطة الصفر لإعادة بناء اقتصادهم، ليس المأزوم فقط، بل المنهار.

وتتوسع وسائل إعلام عربية في سرد تفاصيل أزمة الاقتصاد التركي من وجهة نظرها، أو حيث تريد. فالعقوبات الدولية تحاصر هذا الاقتصاد وتقوده إلى الانهيار حسب زعمها، والبورصة التركية انهارت بالفعل، والليرة تتهاوى وستصبح مثل عملات الصومال وزيمبابوي وفنزويلا والأرجنتين وغيرها من الدول المنهارة اقتصادياً، بل وتسجل العملة التركية أسوأ أداء لها مقارنة ببقية العملات المتداولة حول العالم.

ومع إغراقك عبر هذه الوسائل الاعلامية في التفاصيل الخيالية تتخيل أن هجرة جماعية ستحدث من قبل المواطنين الأتراك نحو أوروبا وغيرها من دول العالم بحثاً عن فرصة عمل أو لقيمات تسدّ جوع أسرهن.

مثلاً، قناة عربية شهيرة عنونت قبل أيام قليلة تقريراً لها بهذا العنوان المثير: “الاقتصاد التركي على شفير الهاوية.. مؤشرات تسبق الانهيار”، وعندما تطالع التقرير، تجد أنه كلام أقرب إلى الأمنيات منه إلى حقائق وأرقام على الأرض.

وتطالع وسائل إعلام غربية أخرى، فإذا بها تتحدث عن أن الاقتصاد التركي أصبح في مأزق كبير، وبات هشاً ضعيفاً أكثر من أي وقت مضى، إذ يعاني من ارتفاع في معدلات التضخم وزيادة الأسعار الرئيسية والبطالة، وانهيار في قيمة العملة، وتنامٍ في مستويات الديون الخارجية والمحلية على حد سواء، وهروب رؤوس الأموال الأجنبية، وانسحاب الأموال الساخنة المستثمرة في أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة والسندات وسوق المال.

وتتجاهل وسائل الإعلام الأرقام والحقائق على الأرض، التي تقول إن هناك تراجعاً حاداً في معدلات التضخم داخل تركيا، وهو ما دفع البنك المركزي إلى خفض سعر الفائدة على الليرة أكثر من مرة خلال فترة قصيرة.

وتتجاهل أيضاً الزيادات الملحوظة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث ارتفعت بنسبة 11% لتزيد على 4.28 مليارات دولار في الفترة من يناير وحتى أغسطس 2019 حسب بيانات البنك المركزي التركي الصادرة اليوم الأربعاء.

واحتفت وكالات الأنباء ووسائل اعلام عربية بالتهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام ويهدد فيها بمحو الاقتصاد التركي، وتعيد التذكير بتغريدة ترامب الشهيرة التي أطلقها يوم 10 أغسطس 2018 وما تبعها من فقدان الليرة نحو 30% من قيمتها وحالة الذعر التي سادت الأسواق حينئذ.

وتحدثت وسائل إعلام عربية وغربية عن الصدمة العنيفة التي أطاحت الاقتصاد التركي عقب فرض ترامب عقوبات على أنقرة، وإعلانه وقف المفاوضات التجارية مع الحكومة التركية ورفع التعريفات الجمركية المفروضة على الحديد التركي المصدَّر لأميركا بنسبة 50%، ومعاقبة مسؤولين أتراك، منهم 3 وزراء، بل واحتفت بهذه العقوبات.

ولم تذكر معظم وسائل الإعلام تلك أن ترامب أطلق هذه التهديدات والعقوبات في محاولة لإرضاء بعض الأطراف الداخلية والخارجية، سواء داخل إدارته والكونغرس، أو في الخارج، مثل الأكراد الذين باعهم، وأن ترامب طبعة 2018 لم يعد هو ترامب طبعة 2019، حيث يعاني حالياً من مخاطر العزل من منصبه، ويعاني الاقتصاد الأميركي كذلك من مخاطر الركود والدخول في أزمة تشبه الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008.

وتزعم وكالات أنباء عالمية وصحف كبرى انهيار الليرة التركية مقابل الدولار، رغم أن الليرة فقدت أقل من 2% فقط من قيمتها منذ بدء العملية العسكرية التركية على شمال سورية، وهو تحرك طفيف مقارنة بالمخاطر الجيوسياسية والانتقادات الدولية المحيطة بأنقرة والعقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليها.

بل زعمت وسائل إعلام عربية انسحاب الشركات الأجنبية من تركيا، رغم أنه لا توجد شركة واحدة أعلنت انسحابها، وكل ما حدث هو إعلان شركة فولكسفاغن الألمانية إرجاء القرار النهائي بشأن بناء مصنع جديد في تركيا لحين استقرار الأوضاع، مع العلم أن الشركة موجودة بالفعل داخل تركيا وأعلنت أخيراً زيادة استثماراتها فيها عبر إقامة مصنع سيارات ضخم.

ولم تنسَ بعض وسائل الإعلام الكبرى أن تستدعي ملف الصراع على غاز شرقي البحر المتوسط ونفطه، حيث أشارت إلى أن تنقيب تركيا عن الغاز قبالة قبرص يثير التوترات في المنطقة.

نعم، الاقتصاد التركي يعاني من مشاكل، شأنه في ذلك شأن الاقتصاديات الكبرى، مثل الاقتصاد الأميركي والصيني والألماني والبريطاني، لأسباب عدة، منها ما هو داخلي مثل كلف الطاقة وأعباء الديون والحرب على الارهاب، ومنها ما هو خارجي مثل الحروب الاقتصادية التي تشنها بعض الدول على أنقرة وتداعيات الحرب التجارية الشرسة بين أكبر اقتصادين في العالم، وتنامي المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية حول العالم، والخلافات الأميركية الإيرانية والخليجية الإيرانية، .

وبما أن الاقتصاد التركي منفتح على أسواق العالم، فمن الطبيعي أن يتأثر سلباً أو إيجاباً بمشاكل الاقتصاد العالمي، خاصة وأن به استثمارات أجنبية ضخمة ومنفتح على كل أسواق العالم.

هناك نقاط ضعف كثيرة داخل الاقتصاد التركي، منها فاتورة الديون الخارجية ووارداتها الضخمة من الوقود والمشتقات النفطية والغاز، لذا تخضع الليرة باستمرار للضغوط السياسية والاقتصادية، كما يجرى حالياً، حيث شهدت تراجعاً طفيفاً بسبب تداعيات العملية العسكرية التركية على شمال سورية.

لكن الثابت أن الاقتصاد التركي قوي، وأنه يصنف على أنه واحد من أقوى 20 اقتصاد حول العالم، وأنه يتجه نحو الانضمام إلى نادي العشرة الكبار بحلول العالم 2023 حسب خطة الحكومة، وأن هذا الاقتصاد واجه أزمات صعبة وتغلب عليها.

ففي ذروة الأزمة المالية العالمية التي سببت ذعراً شديداً واضطرابات لمعظم أسواق العالم في الفترة من 2008 وحتى 2010، أفلت الاقتصاد التركي من التداعيات الخطيرة للأزمة التي أصابت الاقتصاديات العالمية، وفي مقدمتها الأميركي والأوروبي.

وفي الوقت الذي شهد فيه العالم انهيارات وإفلاسات واندماجات لبنوك أميركية وأوروبية كبرى، مثل ليمان برازر وميريل لينش وبنك أوف أميركا وغيرها، لم تسجل البنوك التركية حالة إفلاس واحدة في ذروة الأزمة المالية .

تكرر المشهد إبان الانقلاب العسكري الفاشل الذي شهدته البلاد في منتصف عام 2016، وفي صيف 2018، ورغم تراجع الليرة نحو 30% عقب تغريدة دونالد ترامب الشهيرة وفرضه عقوبات على عدد من المسؤولين الأتراك وزيادة حدة الحرب الاقتصادية الشرسة التي تعرضت لها البلاد، إلا أن الاقتصاد تعافى بشكل سريع، والأرقام الصادرة عن المؤسسات الاستثمارية الدولية تؤكد ذلك.

ميزة الاقتصاد التركي أنه إنتاجي ولا يعتمد فقط على الدخل الريعي مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي. فقطاع الصناعة والزراعة هما قاطرة الاقتصاد، وإيرادات الصادرات تتجاوز 170 مليار دولار، وهناك إيرادات ضخمة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، سواء في قطاع العقارات والبنية التحتية، وهناك إيرادات السياحة الضخمة البالغة نحو 30 مليار دولار في 2018، وبالتالي ما حمى اقتصاد تركيا من الأزمات العالمية، تمتعها بذلك التنوع.

Facebook Comments