قال باحث سياسي إن أزمة كورونا أدت إلى تراجع الاهتمام السياسي والإعلامي، وكذلك الاقتصادي، بالعديد من الصراعات والأزمات الإقليمية والدولية، مثل الوضع في سوريا، وليبيا، واليمن، ومصر، وفلسطين، والعراق، والأزمة الإيرانية ـ الأمريكية، والحرب النفطية الروسية ـ السعودية، بل إن حدثا بحجم الانقلاب السياسي الذي شهدته المملكة العربية السعودية، وحملة الاعتقالات التي شهدتها في مارس 2020، لم تجد ما تستحقه من اهتمام سياسي وإعلامي، مقارنة بالاهتمام الساحق بوباء كورونا وتداعياته.

وعلى عكس ما رأت بعض الأقلام والخبراء، قالت دراسة علمية سياسية نشرها موقع المعهد  المصري للدراسات إن “وباء كورونا، وفق الخبرات التاريخية للأوبئة وتداعياتها على العلاقات الدولية خلال القرن العشرين، لن يترتب عليه تحول جذري في بنية العلاقات الدولية وشكل النظام الدولي، الذي سيظل على المدى المنظور أحادي القطبية”.

وتحت عنوان “وباء كورونا وبنية النسق الدولي الأبعاد والتداعيات” قال د. عصام عبد الشافي: إن الولايات المتحدة ستبقى مهيمنة، مع استمرار الطابع الصراعي على التفاعلات الدولية، في ظل الاتهامات المتبادلة بين الصين وإيران من ناحية والولايات المتحدة من ناحية ثانية، بالمسؤولية عن نشر الفيروس.

وأشار إلى إمكانية “انتقال السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق بعد حالات النجاح التي حققتها دول جنوب شرق آسيا، الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، في المواجهة، بمؤشرات فاقت الدول الأوربية الكبيرة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، بل والولايات المتحدة ذاتها”.

أهمية الكيانات الأممية

وكشف عبدالشافي أن الأزمة كشفت عن أهمية الدور الذي تقوم به الأطر المؤسسية الدولية والإقليمية المتخصصة، سواء في رصد الأزمة وتحليل أبعادها، وتقديم التوصيفات والتفسيرات الدقيقة لها، واقتراح الخطط والإجراءات لإدارتها، بل والمشاركة أحيانًا في تنفيذ جوانب من هذه الخطط وتلك الإجراءات، وهو ما قامت به فعلياً منظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة وفروعها التخصصية، بجانب المؤسسات والهيئات الوطنية المتخصصة في إدارة الكوارث والأزمات.

وأشار إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به “الدبلوماسية الصحية” أمام التحول في طبيعة العلاقة بين المانحين والمتلقين، وبروز أنواع جديدة من التحالفات الصحية، بفعل الوباء وسرعة انتشاره، حيث يمتد هذا النوع من الدبلوماسية إلى فضاءات جديدة، ويضم فاعلين ومستويات مختلفة، ويجمع بين مزايا الدبلوماسية الثنائية والدبلوماسية متعددة الأطراف، في إطار المنظمات الإقليمية والدولية.

تداعيات اقتصادية

وقال إن سياسات العزلة الدولية، والحظر والحجب وغيرها من إجراءات احترازية، سيترتب عليها المزيد من الانعكاسات السلبية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في العديد من الدول، أمام تراجع النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر والاحتقان الداخلي، وخاصة في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية كبيرة، من الأساس، وهشاشة في بنيتها التحتية في مجالات الرعاية الصحية، ويمكن أن يتفاقم الخطر في الدول ذات الكثافة السكانية العالية، مثل إيران والسودان والعراق وسوريا واليمن وإيران وبنجلاديش وغيرها.

وأضاف أن الأزمة من شأنها أن تدفع بالعديد من المؤسسات الدولية، وخاصة ذات الطابع الاقتصادي منها أن تعيد النظر في سلاسل التوريد متعددة الخطوات والبلدان، والعمل على تقليصها، من خلال عمليات الدمج وإعادة البناء، للحد من الارتباطات الدولية شديدة التعقيد، والتي كشفت عنها الأزمة، مع إغلاق العديد من الفروع في البلاد التي تفشى فيها الوباء.

التعاون قائم

وأشار الدكتور عبدالشافي إلى أن السياسات الانعزالية التي تتبناها الدول في مواجهة الفيروس لا تعني انهيار التوجهات التعاونية في بنية النسق الدولي، لأن هذه السياسات في ذاتها جاءت في إطار رؤية جماعية لمنع الانتشار، وتحجيم الأخطار، ولكن ستكون هناك مراجعات لبعض تلك التوجهات، بما يتسق وتداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

وقال “فرض وباء كورونا أزمة عالمية لم يتعرض لها العالم تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أكدت ضرورة التفاعل والترابط والتشارك، واستنفار كل الجهود والإمكانيات والقدرات في مواجهتها، لأن الآثار والتداعيات لم تستثن دولة أو شعبا، وتم رصد ميزانيات للمواجهة تجاوزت الـ 5 تريليون دولار حتى منتصف مارس 2020، من جانب الدول الأكثر تضررا والأكثر إدراكا لحجم الخطر المتوقع داخله”. لافتا ‘لى أن تعزيز التوجهات التعاونية في العلاقات الدولية، يتطلب توفير مجموعة من المتطلبات أو الاشتراطات الأساسية، في مقدمتها: وضع الخلافات السياسية، الدولية والوطنية جانباً، وبذل الجهد المشترك في مواجهة الوباء، ورفع العقوبات وحالات الحصار السياسي أو الاقتصادي التي تفرضها بعض الدول ضد دول ونظم وجماعات معينة، أو على الأقل تجميدها، حتى يتم تجاوز هذه الأزمة، وخاصة في حالات الدول والمناطق التي تعاني من تداعيات أكبر للفيروس مثل إيران وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية، وقطاع غزة، وتحتاج إلى مساعدات طبية وإنسانية ضخمة في مواجهة هذه التداعيات، والعمل على وقف العمليات العسكرية والحروب الأهلية التي تستنزف القدرات والإمكانيات، بعد أن أصبح الجميع في مواجهة أخطار أكبر، وذلك في دول مثل ليبيا واليمن وسوريا والعراق.

وفي الحادي عشر من مارس 2020، صنفت منظمة الصحة العالمية، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة “فيروس كورونا” وباء عالميا، بعد أن تجاوزت حدوده جمهورية الصين الشعبية التي ظهر فيها في ديسمبر 2020، وانتشر في عشرات الدول، ونال من مئات الآلاف بين مصابين ومتوفين، ودفع بمختلف الدول والمنظمات الدولية إلى الإعلان عن العديد من السياسات الاحترازية والوقائية في إطار مواجهته والعمل على الحد من انتشاره.

Facebook Comments