كشفت تصريحات طارق شوقي، وزير التربية والتعليم بحكومة الانقلاب، أمام برلمان العسكر، أمس الإهدار المتعمد لأموال الشعب المصري في تعليم يعمق التخلف ويؤدي إلى تفشي الجهل، وهو ما يؤكد أن نظام السيسي ينظر إلى ملايين المصريين على أنهم مجرد أرقام لا تستحق سوى الشحاتة عليها وحمع الجبايات والإتاوات لتوفير تعليم غير مناسب وغير مجد بالأساس، يحرم الطلاب من الإبداع والتفكير، بجانب تعريض حياتهم للخطر تحت أسقف فصول آيلة للسقوط ومدارس مهددة بالانهيار، لا لشيء سوى أن أموال المصريين وجهت إلى تشييد قصور العاصمة الإدارية ليختبئ فيها المستبدون من غضب الشعب.

تصريحات وزير تعليم الانقلاب لو أدلى بها مسئول في أي دولة من دول العالم الثالث لسقطت بسببها حكومات وخرج ملايين المتظاهرين، لإسقاط نظام لا يمول مشروعات التعليم إلا من جيوب الفقراء والغلابة، ويقول: إن كان عاجبهم يتعلموا يدفعوا وإلا عليهم أن يصبروا قرونا حتى يزدادوا فقرا وجهلا، وتتفوق عليهم عليهم دول كزيمبابوي وبلاد الادغال الافريقية في مستوى التعليم، حيث تحل مصر “العسكر” في ذيل الترتيب العالمي.

39 مليار جنيه

كان وزير التربية والتعليم الانقلابى طارق شوقي، قد كشف أمس أنه تم خصم نحو 39 مليار جنيه من ميزانية الوزارة في العام المالي المقبل، موضحا أن “وزارة التعليم طلبت 138 مليار جنيه، إلا أن وزارة المالية خصصت 99 مليارا فقط”.

وقال شوقي أمام لجنة الخطة والموازنة في مجلس نواب العسكر: “نحتاج 110 مليارات جنيه على الأقل سنويا لتطبيق نظام التعليم الجديد، من دون حساب الزيادة على مرتبات المعلمين؛ لأن النظام يتضمن إعداد كتب ومناهج جديدة، وتدريب مئات الآلاف من المعلمين، وإنشاء شبكات إلكترونية، وشراء أجهزة (تابلت) للطلاب، إلى جانب افتتاح المدارس اليابانية”.

وأضاف: “نفذنا في العام الماضي ما تم الاتفاق عليه مع وزارة المالية من دون زيادة في اعتمادات وزارة التعليم، إلا أننا اضطررنا إلى خصم 50% من مخصصات مديريات التعليم في المحافظات، وأكثر من ملياري جنيه من مخصصات هيئة الأبنية التعليمية لتنفيذ برنامج التطوير وسط وعود متكررة من وزارة المالية بصرف هذه الأموال بلا جدوى”.

وتابع الوزير: “وزارة المالية لا تمنحنا مليما واحدا إلا بطلوع الروح، ونحصل دائما على أقل مما نطلبه، علما بأن أعداد الطلاب تتضاعف، ووضع المناهج الجديدة يكلف.. طلبنا 11 مليار جنيه إضافية، ولو لم نحصل عليها لن يكتمل نظام التعليم الجديد، خصوصًا أن أموال التمويل الأجنبي ضخت كلها في التطوير، واستدنا ملياري جنيه من هيئة الأبنية التعليمية بما يؤثر على دورها، ويفاقم من كثافة الطلاب في الفصول”.

الخصخصة

التصريحات يراها خبراء محاولة تمهيدية من قبل حكومة السيسي للتراجع عن خطة التطوير، أو تمهيدًا لخصخصة التعليم التي حذر منها المعارضون لحكم السيسي مئات المرات، منطلقين من تردي خدمات وحالة المدارس الحكومية، وأن نظام التابلت مجرد فنكوش، يحتاج مليارات الجنيهات.

الخصخصة هذه المرة ستكون بأسلوب ملتوٍ، كأن يفرض النظام اتاوات تعليمية على من يرغب في التعليم بالتابلت.. أما غير القادر فليس أمامه سوى العمل وفق النظام الورقي، ومن الوارد تخصيص فصول تدرس بالنظام الحديث واخرى بالنظام القديم؛ ما يعمق الفجوات بين أبناء الشعب المصري.

ويقول الخبراء إن منهج السيسي الذي جاء به من اليوم الأول: “أجيب منين؟ مش هتدفع مش هتاخد”، والذي يردده في أكثر من مناسبة، هو منهج رأسمالي متوحش، يبتلع مقدرات الدولة في مشاريع للعسكر واستثمارات تدخل جيب اللواءات والمقربين بلا حساب اما خدمات الشعب الاساسية من صحة وتعليم..وغيرها ، فعلى الشعب تحملها من جيبه.

حكومة الجباية

وأضاف شوقي: “لو لم نأخذ ما نحتاجه هذه المرة، فإن مشروع تطوير التعليم سيتوقف. هذا ليس تهديدا، لكن ليس لدينا رفاهية الحوار، ونريد 11 مليار جنيه فوق المبالغ المعتمدة في الموازنة الجديدة. موازنتنا 110 مليارات جنيه من دون زيادة مرتبات المعلمين”.

وتابع: “نريد 4.6 مليارات جنيه لهيئة الأبنية التعليمية زيادة عن المبالغ المعتمدة، و4.9 مليارات جنيه لتطوير الشبكات وشراء التابلت، و800 مليون جنيه لطباعة الكتب، و12.7 مليار جنيه لطلبات المديريات في المحافظات وديوان عام الوزارة، بالإضافة إلى 16 مليار جنيه لزيادة مرتبات المعلمين. موضحا ان عدم تفعيل شرائح التابلت في امتحانات الصف الأول الثانوي كان سببه قطع الإنترنت لعدم وجود أموال للدفع مقابل الخدمة”.

وأشار إلى أن “الدائنين يقفون لنا بالمرصاد، ولا أحد يبحث عن أصل المشكلة قبل لوم وزارة التربية والتعليم”.

أطفال في خطر

وعن الكثافة الطلابية الكبيرة في الفصول، قال: “نعمل حاليا على تطوير النظام التعليمي، وبعدها يمكن للناس أن تتحدث عن الكثافة. من يقول الكثافة كبيرة، سأقول له هات فلوس عشان نحلها؛ لأن عدد المواليد يصل إلى 700 ألف طفل سنويا.. ليس أمامنا سوى تحديد أولوياتنا في الإنفاق، وقد اخترنا التطوير أولاً، واللي يحتاجه التطوير يحرم الآن على الجامع”.

وعن مطالب تصنيع التابلت في مصر بدلاً من استيراده، قال شوقي: “البعض يعتقد أن تصنيعه داخل البلاد سيوفر التكلفة، ولكن هذا غير صحيح، لأن المستثمر سيحتاج في البداية إلى فترة لتحقيق العائد المنتظر من استثماره. ونحن نحتاج إلى 5 سنوات بعد إنشاء المصنع، للوصول إلى سعر مناسب للتابلت”.

ويؤكد مراقبون أن هذه التصريحات تكشف أسرارا كبيرة، إذ إن المستورد الأساسي للتابلت والمسئول عن تجميعه هو شركات الجيش التابعة للإنتاج الحربي، التي تعمل ضمن منظومة اقتصاد الجيش وعرق الجيش، الذي لا يمكن الاقتراب منه نهائيا من قبل أي مدني أو حتى عسكري، سوى ثلة السيسي المختارة.

وقالوا: كان أولى بالوزير أن يضع في أولوياته التصنيع المحلي من باب التطوير التكنولوجي الذي كثيرا ما يتحدث عنه النظام في خطاباته، وتطنطن به شاشات الانقلاب على المصريين ليل نهار.

الشحاتة هي الحل

وعلى طريقة السيسي في توفير الخدمات للمواطنين، بتحميله أولا الجزء الأكبر من الزيادة، أعلن رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس نواب العسكر حسين عيسى، تأييد اللجنة الكامل لمطالب التعليم.

وقال عيسى، ردًا على حديث وزير التعليم، الانقلابى أمام اللجنة، بشأن احتياج الوزارة إلى 11 مليار جنيه إضافية بموازنة العام المالي الجديد: “لا بد من الاعتراف بأن جميع مؤسسات الدولة أهملت اقتصاديات التعليم على مدار 30 عامًا، واللجنة ستنظم ورشة عمل موسعة خلال فترة الصيف، في حضور وزراء التعليم والتعليم العالي والاستثمار والمالية، لوضع أساليب جديدة لدعم اقتصاديات التعليم”.

وأضاف: “لا يُعقل عدم وجود مصادر لتمويل منظومة التعليم الجديدة بمراحلها المختلفة، وآن الأوان للبحث عن مصادر تمويل غير تقليدية للإنفاق على تطوير التعليم، على غرار الرسوم التي فرضت على بعض الخدمات المقدمة للمواطنين، بموجب قانون التأمين الصحي الشامل!!!

من جهته، قال وكيل اللجنة مصطفى سالم: إن اقتطاع وزارة التعليم من مخصصات هيئة الأبنية التعليمية لصالح منظومة التطوير الجديدة يستهدف تدمير الهيئة، مشددًا على ضرورة سداد مستحقاتها لاستكمال بناء الفصول في المحافظات التي تعاني عجزًا؛ لأن هناك فصولاً تصل كثافتها إلى 75 طالبًا، و”من غير المقبول أن يكون لدينا فصول آيلة للسقوط، ومدارس مطلوب إزالتها بالكامل”.

مخالفات دستورية

وبلغت مخصصات قطاع التعليم إجمالاً في الموازنة الجديدة 132 ملياراً و38 مليون جنيه، والذي يتضمن التعليم قبل الجامعي بكافة مراحله، والتعليم العالي، والتعليم غير المحدد بمستوى، وخدمات مساعدة التعليم والبحوث والتطوير في مجال التعليم الهيئة العامة لمحو الأمية، وتعليم الكبار والهيئة العامة للأبنية التعليمية، وصندوق تطوير التعليم.

وخالفت موازنة العام المالي 2019-2020 نصوص المواد (18) و(19) و(21) و(23) من الدستور للعام الرابع على التوالي، والمتعلقة بالتزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومي لقطاع الصحة، و4% للتعليم، و2% للتعليم العالي، و1% للبحث العلمي، إذ لم تخصص الموازنة الجديدة سوى أقل من نصف المخصصات الدستورية لكل من هذه القطاعات.

وهكذا تدار مصر لصالح الأغنياء فقط، فلم يسمع المصريون عن أزمات تمويل لمشاريع السيسي الفنكوشية، سواء في طرق وكَبارٍ الجهات القريبة من المنتجعات السياحية للكبار، أو ببناء اكبر ناطحة سحاب في إفريقيا بالعاصمة الإدارية،أو إنشاء النهر الصناعي والنهر الأخضر بالعاصمة الإدارية، أما خدمات المصريين فمن جيوبهم، وهذا ما يثبت ان السيسي ونظامه العسكري لا يهتم سوى بالكبار فقط أما الشعب فهم مجرد رعاع لا مكان لهم في الرفاهية أو حقهم الدستوري بالتعليم.

Facebook Comments