كشف بحث قدمه معهد ستكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، أمس الأحد 10 مارس 2019م، أن مجموع الأسلحة المتدفقة إلى الشرق الأوسط، قد ارتفع بنسبة 87 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية، كما أصبحت هذه المنطقة تحتكر أكثر من ثلث التجارة العالمية للأسلحة.

ووفقا لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني في تقرير له فقد “أظهرت الدراسة السنوية التي أجراها مركز الأبحاث، أن السعودية أصبحت أكبر مستورد للأسلحة في العالم خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2018، بنسبة نمو بلغت 192 بالمئة مقارنة بالسنوات الخمس السابقة. بينما احتلت مصر والجزائر والإمارات والعراق مراتب ضمن قائمة الدول العشر الأوائل في شراء الأسلحة في العالم”، علاوة على ذلك، ارتفعت واردات الجزائر من الأسلحة بنسبة 55 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية، وهي الدولة التي تشهد حاليا انتفاضة شعبية ضمن موجات الربيع العربي.

تقرير “سيبري”، المتكون من 12 صفحة، يفسر هذه اللهفة على شراء السلاح بأن الإمارات والمملكة العربية السعودية وإسرائيل يستعدون لمواجهة صراع محتمل مع إيران، إضافة إلى أن كلاًّ من السعودية والإمارات وبعض الدول الأخرى تعيش صراعا مع قطر منذ سنة 2017، الذي من المحتمل أن يتحول إلى أعمال عنف في وقت من الأوقات.

إلى ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول الأكثر مبيعا للسلاح في العالم؛ إذ نمت صادراتها بنسبة 29 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية، مع توجه أكثر من نصف شحناتها (بنسبة 52 بالمئة) نحو عملائها في الشرق الأوسط، كما نمت المبيعات البريطانية بنسبة 5.9 بالمئة خلال الفترة ذاتها؛ حيث خُصصت 59 بالمئة من هذه الشحنات لدول الشرق الأوسط، والتي كان معظمها من الطائرات المقاتلة المتجهة إلى المملكة العربية السعودية وعمان.

قدّم التقرير نتائج أخرى مثيرة للاهتمام. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية ارتفعت صادرات تركيا من مركبات القتال المدرعة والصواريخ وغيرها من المعدات بنسبة 170 بالمئة، لتحتل بذلك المرتبة الـ14 في العالم من حيث تصدير الأسلحة، وثاني أكبر مصدر في الشرق الأوسط بعد إسرائيل.

وتظهر كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة بين أكبر ثلاثة مستوردي أسلحة بالنسبة لتركيا، رغم خلافات أنقرة مع عملائها حول قضية خاشقجي والحصار المفروض على قطر، وأفاد وايزمان بأنه من المرجح أن الاستمرار في شراء الأسلحة من تركيا يعكس محاولة الرياض وأبو ظبي في الحفاظ على العلاقات مع أنقرة.

أسلحة لسحق الشعوب

من جانبه، أفاد باتريك ويلكن، المتخصص في الحد من التسلح والتابع لمنظمة العفو الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان في المملكة المتحدة، بأنه “في أغلب الأحيان، تُستخدم الأسلحة الغربية في انتهاكات حقوق الإنسان”، مستشهدا بحملة القمع المصرية ضد المعارضين، والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والحرب التي تقودها السعودية في اليمن.

وقد انتقد الخبير “نفاق” الحكومات الغربية؛ نظرا لعدم التزامها بقواعدها الخاصة، وهو ما يتجسد في استمرارها في تزويد الزعماء الاستبداديين الذين يرتكبون انتهاكات في حق شعوبهم.

وأضاف ويلكن – في حواره مع “ميدل إيست آي” – أن “المنطقة العربية تعاني من ظهور جماعات مسلحة على غرار تنظيم الدولة. وتُسلّح الميليشيات غير الخاضعة للمساءلة في اليمن، وتتلقى الدعم الكامل من قبل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ما يفتح المجال أمام مستقبل تسوده الاضطرابات وانتهاكات حقوق الإنسان”، وقد كانت هذه المشكلة واضحة للعيان بالنسبة للعواصم الغربية؛ إذ مرّر المشرعون في الكونجرس الأمريكي قرارات تفيد بضرورة وضع حد لدعم الولايات المتحدة الأمريكية للتحالف الذي تقوده السعودية، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعهّد باستخدام حقه في نقض وثيقة القرار حالما تصل إلى مكتبه.

وفي أكتوبر 2018، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا حول مركبات القتال المدرعة فرنسية الصنع، التي استخدمتها القوات الموالية للحكومة المصرية “لفض الاحتجاجات وسحق المعارضة” خلال حملات القمع بين 2012 و2015.

مصر ثالث أكبر مستورد للسلاح

وكان تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، الذي صادر في مارس 2018 قد كشف عن أنَّ مصر من أكثر الدول تسلحًا في العالم، فهي ثالث أكبر مستوردٍ للأسلحة (بعد الهند والمملكة العربية السعودية)، وفي الواقع زادت واردات مصر من الأسلحة بنسبةٍ هائلة بلغت 225% في السنوات الـ5 الماضية منذ أن أصبح الجنرال عبد الفتاح السيسي متربعا على كرسي الحكم في البلاد.

ففي أثناء تلك المدة، أبرمت مصر صفقاتٍ كبيرة مع مجموعةٍ متنوعة من المُورِّدين، من بينهم الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا.

وخلال الفترة ما بين 2014 حتى ديسمبر 2017 أبرم السيسي 14 صفقة سلاح، بلغت 22 مليار دولار في أول سنتين فقط حتى 2016م كان نصيب روسيا منها حوالي 15 مليار دولار، لكن ما تم شراؤه فعليا يصل إلى 6 مليارات دولار بخلاف ما سيتم توريده خلال السنوات المقبلة.

وأظهر تقرير”معهد ستزكهولم” أن فرنسا أصبحت أكبر مورد للسلاح لمصر بنسبة 37% من إجمالي وارداتها، مستبدلة الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تحتل هذا المركز منذ السبعينيات، وكانت الأخيرة تورد لمصر 45% من أسلحتها في فترة ما بين 2008 و2012.

وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت واردات بعض الأسلحة إلى مصر في فترة ما بين 2013 و2015، خصوصًا الطائرات المقاتلة. ورغم ذلك، فقد زادت واردات الأسلحة الأمريكية إلى مصر في فترة 2013-2017 مقارنة بفترة 2008-2012 بواقع 84%؛ حيث رفعت حظرها على الأسلحة إلى مصر في 2015. وشكلت كل من فرنسا والولايات المتحدة وروسيا أكثر ثلاثة دول تصديرًا للسلاح إلى مصر بنسبة 37% و26% و21% على التوالي.

وبحسب قاعدة بيانات المعهد، خلال الفترة ما بين العامين 2014 و2017 عقدت مصر صفقات لاستيراد السلاح بقيمة إجمالية قدرها خمسة مليارات و898 مليون دولار، وكانت قيمة هذه الصفقات تزداد بصفة سنوية، إذ بلغت 380 مليون دولار في العام 2014، ومليار و452 مليون دولار في العام 2015، ومليار و711 مليون دولار في العام 2016، و2 مليار و355 مليون دولار في العام 2017.

لماذا كل هذه الصفقات؟

ثمة أسباب متعددة لتفسير نزوع النظام نحو هذه الزيادة المفرطة في صفقات السلاح في مرحلة ما بعد 30 يونيو، خصوصًا أن صفقات السلاح توقفت تماما في العام الوحيد الذي حكم فيه الرئيس المنتخب محمد مرسي.. فما تفسير ذلك؟

أولا: الأمر يتعلق بالعمولات والسمسرة؛ فشراء المزيد من السلاح، معناه دخول مليارات الدولارات من عمولات الصفقات في جيب السيسي وكبار قادته العسكريين، وهذا أحد أسباب رفض السيسي إعلان ذمته المالية علانية، والاكتفاء بتقديمها سرية إلى قضاة الانقلاب (كإجراء شكلي) في لجنة الانتخابات الذين رفضوا بدورهم إعلانها وكأنها سر حربي.

ووفقًا للقانون المصري لا يوجد شيء اسمه “عمولات رسمية”، ولكن هذه الأمور سرية ومعروفة في الأوساط الاقتصادية وأسواق السلاح في العالم كله، وقد تم الكشف أثناء التحقيقات مع المخلوع مبارك أنه كان يحصل على نسبة تقدر بـ5% عن كل صفقة سلاح تشتريها مصر، ونسبة قريبة من ذلك لوزير الدفاع والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين يقومون بالتعاقد مع شركات السلاح العالمية.

السبب الثاني: أن هذه الصفقات تمثل صورة من صور الرشاوى للحكومات والنظم الغربية من أجل الاعتراف بشرعية نظام الانقلاب من جهة والتغاضي عن انتهاكاته لحقوق الإنسان من جهة ثانية، ولعل هذا كان السبب في مطالب منظمة العفو الدولية للحكومات الغربية بضرورة وقف بيع السلاح لنظام العسكر.

وبحسب تقارير للبرلمان الأوروبي، فإن صفقات السلاح التي يهديها السيسي إلى دول مثل فرنسا وأمريكا وروسيا وبريطانيا بمثابة “رشاوي” لشراء صمت هذه الحكومات عن انقلاب السيسي وعدم شرعية، خاصةً أنه ينفذ أيضًا مصالحها ولا يهددها كما كانوا يتخوفون أثناء حكم الرئيس محمد مرسي بسبب الشفافية والندية التي تميزت بها سياسة مصر.

وقد أظهرت التقارير التي نشرتها صحف فرنسية وأجنبية عن شراء السيسي طائرات رافال بمبالغ تزيد بمقدار الضعف أحيانًا عن دول أخري اشترت نفس الطائرة، مثل الهند والبرازيل، أن الأمر ليس مجرد شراء وإنما رشاوى، فضلاً عن أن السعر الأعلى يتيح إعطاء القادة العسكريين في مصر عمولات أكبر، وأمام صفقات السلاح تراجع الحكومات الغربية عن إحراج نظام العسكر الذي بات صديقًا للغرب لأسباب، منها الصفقات المغرية وما تسمى بالحرب على الإرهاب.

ثالثا: تمثل هذه الصفقات رشوة أيضًا لكبار القادة والجنرالات، وبذلك يشترى السيسي ولاء هؤلاء القادة عبر بوابتين: الأولى الزيادة المفرطة في صفقات التسليح؛ ما يدرُّ مليارات هائلة في جيوب كبار القادة والجنرالات بناء على نسبة المجلس العسكري من العمولات والمقدرة بـ5%، بخلاف منحهم امتيازات مالية واقتصادية لا حصر لها من خلال احتكار المؤسسة العسكرية لمفاصل اقتصاد البلاد المدني والعسكري، والبوابة الثانية تتعلق بتحصين هؤلاء القادة من أي مساءلة أو محاكمة على جرائمهم وفسادهم، وهو ما تقرر في قانون وافق عليه البرلمان وصدَّق عليه السيسي في 2018م. تحت عنوان “قانون تكريم كبار القادة”!.

Facebook Comments