يخشى كثير  من ساسة وحكام أوروبا وقادتها الدينيين على مستقبل القارة العجوز؛ وأحد أهم أسباب هذه المخاوف أن معظم الدراسات واستطلاعات الرأي تؤكد أن الإسلام هو الدين الأكثر انتشارًا على مستوى العالم؛ وبحسب دراسة أجراها مركز "بيو" الأمريكي لأبحاث التغيرات الديموغرافية في الديانات الكبرى سنة 2017م، توقع أن يصبح الإسلام أكثر الديانات انتشارا في العالم بحلول سنة 2070، وأضاف أن الإسلام الديانة الوحيدة في العالم التي تنتشر بوتيرة أسرع من وتيرة نمو سكان العالم، وفق ما أشار إليه موقع جريدة "تلغراف" البريطانية.

وأضاف "بيو" أن الإسلام يجذب الكثير من الشباب، وهو ما يعني أن لديهم المزيد من سنوات الإنجاب، فيما توقع نفس المركز أن يشهد عدد المسيحيين تراجعًا، إذ يتزايد عدد الأشخاص غير الدينيين أو الذين يُغيرون دينهم، وأردف "بيو" أن من المحتمل أن يدخل حوالي 40 مليون شخص إلى المسيحية، غير أن 106 ملايين من أتباع المسيحية في العالم سيتركونها، حسب نفس المصدر.

انتشار الإسلام في فرنسا
وبعد الهجوم على صحيفة "شارلي إبدو" الفرنسية، في بدايات عام 2015، ظهر تسجيل فيديو لتنظيم القاعدة يتبنَّى هذا الهجوم، وهو ما جعل الإعلام الفرنسي يزجّ بالدين الإسلامي إلى صدارة المشهد باعتباره دين الإرهاب. وهي الحملة التي استهدفت تشويه الإسلام وتوظيف الحدث سياسيا من أجل وقف انتشار الإسلام بين الفرنسيين؛ وكان من المتوقع أن يكون لهذا تأثير مباشر على انخفاض عدد معتنقي الإسلام، إلا أن الإقبال عليه ازداد في أعقاب هذا الهجوم، بدلًا من الهروب منه، وهو ما أكَّده إمام مسجد باريس لراديو "آر تي إل" الفرنسي، ولم يكن هذا هو التأثير الوحيد، فقد ارتفعت مبيعات القرآن الكريم والكتب الإسلامية في المكتبات الفرنسية، وتصدَّر كتاب ترجمة القرآن الكريم قائمة الكتب الأكثر مبيعًا على موقع "أمازون".

وخلال السنوات العشر الماضية جرى إنشاء نحو 2000 مسجد في فرنسا بينما أغلق نحو 60 كنيسة كاثوليكية وتحول بعضها إلى مساجد. الأمر الذي عزاه محللون إلى تراجع معدلات التزام المسيحيين وانتشار الإلحاد في فرنسا وأوروبا بشكل  عام على حساب النصرانية.

وتتعدد الهيئات التي تمثل المسلمين في فرنسا، ومن أبرزها: المعهد الإسلامي، ومسجد باريس الكبير الذي أُسس عام 1926، وهناك أيضًا اتحاد المنظمات الإسلامية "UOIF"، والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية "CFCM". وخلال السنوات الماضية دخل عشرات الآلاف من الفرنسيين في الإسلام بينهم رموز سياسية ورياضية وفنية؛ بينهم مغنية الراب "ديامس" والتي اعتزلت سنة 2009 بعدما اعتقنت الإسلام وارتدت الحجاب، وأكدت في لقاء صحفي أنها وجدت الراحة النفسية التي كانت تبحث عنها في الدين الإسلامي.
كذلك أسلم لاعب كرة القدم الشهير "نيكولا إنيلكا" سنة 2004م وأطلق على نفسه اسم عبدالسلام بلال، كما أطلق على ابنه الأكبر اسم قيس، ولعب "أنيلكا" لأندية عالمية مشهورة مثل: الإسباني "ريال مدريد"، والإيطالي "يوفنتوس"، والإنجليزي "ليفربول". وعلى خطاه  مضى لاعب كرة القدم "فرانك ريبيري"، الذي اعتزل اللعب الدولي سنة 2014م ليُعلن بعد ذلك إسلامه ويتزوج من مسلمة فرنسية من أصل جزائري، واستبدل اسمه ليصبح بلال يوسف محمد، وسمَّى ولدَيْه بسيف الإسلام ومحمد.

وفي إحصائية لعام 2017، قدرت مؤسسة بيو للأبحاث (Pew Research) عدد المسلمين في فرنسا بـ5 ملايين و761 ألفا، وهو العدد الذي يعادل نسبة 8.8% من السكان في البلاد، وينتمي غالبية المسلمين في فرنسا للمذهب السني وأصول مهاجرة، ويقول المعهد الفرنسي للرأي العام إن نسبة متزايدة بلغت 39% من المسلمين يحافظون على الصلوات الخمس يوميا ويصومون رمضان ويزورون المساجد، وفقا للمسح الذي نشرت نتائجه في صحيفة "لاكروا" (La croix) اليومية عام 2008.

وتقول دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث عام 2006 إن المسلمين في فرنسا لديهم أكثر الآراء إيجابية بشأن مواطنيهم من الأديان الأخرى، ووفقًا لاستطلاع أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام في عام 2020، أعرب 40% من المسلمين عن رأي مفاده أن معتقداتهم الدينية كانت أكثر أهمية من قيم الجمهورية الفرنسية، أي أكثر من ضعف نسبة الجمهور الفرنسي (17%). وتزيد النسبة بشكل خاص بين الأجيال الأصغر ومن هم دون 25 عاما.

وفي عام 2019، أجرى المعهد الفرنسي للبحوث العامة "آي إف أو بي" (IFOP) دراسة في الفترة من 29 أغسطس إلى 18 سبتمبر من العام ذاته على عينة من 1007 مسلمين تتراوح أعمارهم بين 15 عامًا وأكثر، ووفقًا للدراسة، يشعر 40% من المسلمين في فرنسا بأنهم يتعرضون للتمييز، وكان أكثر من ثلث هذه الحالات في السنوات الخمس الماضية، مما يشير إلى زيادة في سوء معاملة المسلمين في فرنسا خلال السنوات الأخيرة.

ووجد الاستطلاع أن 60% من النساء المحجبات يتعرضن للتمييز، في حين كان 37% من المسلمين في فرنسا ضحية للمضايقات اللفظية أو الإهانات التشهيرية. وكشفت الدراسة أيضا أن 44% من المسلمات اللواتي لا يرتدين الحجاب وجدن أنفسهن ضحية للمضايقات اللفظية أو الإهانات التشهيرية. ووجد الاستطلاع أن 13% من حوادث التمييز الديني حدثت في نقاط مراقبة الشرطة، و17% حدثت في مقابلات العمل، و14% من الحوادث وقعت عندما كان الضحايا يتطلعون لاستئجار أو شراء مسكن. وصرح المعهد الفرنسي للبحوث العامة بأن 24% من المسلمين تعرضوا للعدوان اللفظي خلال حياتهم، مقارنة بـ9% بين غير المسلمين. بالإضافة إلى ذلك، تعرض 7% من المسلمين للاعتداء الجسدي، مقارنة بـ3% من غير المسلمين.

وأظهر استطلاع للرأي أجراه "تشاتام هاوس" (Chatham House) في فبراير2017 على 10 آلاف شخص في 10 دول أوروبية، أن أغلبية (55%) تعارض في المتوسط ​​المزيد من هجرة المسلمين، مع ظهور معارضة بشكل خاص في النمسا وبولندا والمجر وفرنسا وبلجيكا، وفي المقابل أظهر استطلاع نشر في عام 2019 من قبل مركز بيو للأبحاث أن 72% من الفرنسيين المستطلعة آراؤهم لديهم رأي إيجابي تجاه المسلمين في بلدهم، في حين أن 22% لديهم رأي سلبي.

 

Facebook Comments