كشف مراقبون اقتصاديون عن اتجاه حكومة السيسي لزيادة طباعة البنكنوت بصورة متصاعدة خلال الأشهر القليلة الماضية، في سبيل تغطية الفشل الاقتصادي الكبير التي تعانيه الحكومة مع استمرار تفشي "كورونا" في البلاد.

فبجانب اتجاهها للاقتراض الدولي سواء عبر السندات أو عبر المؤسسات المقرضة، تواصل القاهرة طباعة كميات ضخمة من العملة المحلية وضخها في الأسواق لمواجهة مشاكل نقص السيولة.

فالمدقق في العملات المتداولة في مصر يجد الكثير من العملات من فئتي 100 جنيه و200 جنيه وقد دُون عليها تواريخ تعود لأبريل الماضي ومايو الحالي؛ ما يعني أن الحكومة لجأت إلى طباعة النقود على المكشوف لمواجهة شح السيولة النقدية في ظل تداعيات تفشي "كورونا"، التي أنهكت اقتصاد البلاد الذي يعاني أصلا من استفحال المديونية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وأجبر هذا الإنهاك الحكومة على إطلاق خطة لـ"التعايش مع كورونا" عبر  إعادة فتح الاقتصاد رغم تصاعد أعداد المصابين، والانهيار الذي بدأ يضرب الفرق الطبية، بعد خروج عدد من المستشفيات من الخدمة نتيجة إصابة طواقمها الطبية بالفيروس.

وبذلك تكرر الحكومة ما سبق فعله في ديسمبر الماضي، عندما كشفت بيانات البنك المركزي أن إجمالي النقد الذي تم إصداره وصل إلى 544.7 مليار جنيه، مقابل 480.1 مليار جنيه في الشهر نفسه من عام 2018؛ ما يعني طباعة قرابة 64.6 مليار جنيه لتدبير الاحتياجات المالية خلال عام واحد فقط.

ودأب نظام السيسي على طباعة النقود منذ انقلابه العسكري، رغم حصوله على مساعدات سخية من السعودية والإمارات والكويت في أعقاب إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، لتبلغ قيمة ما تمت طباعته من نقود منذ منتصف 2014 حتى نهاية العام الماضي 2019 نحو 254.9 مليار جنيه.

وبالإضافة إلى سعي مصر للحصول على قروض إضافية من مؤسسات دولية بما يزيد على 9 مليارات دولار، وإهدار جزء كبير من احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي في سبيل المحافظة على سعر صرف الجنيه أمام الدولار، ودعم البورصة بنحو 20 مليار جنيه، عبر شراء الأسهم بدلا من ضخ تلك الأموال للشركات المتعثرة، لدفع رواتب العمال ومنع تسريحهم، يمكن قراءة مؤشرات أزمات خانقة يقبل عليها الاقتصاد المصري، خاصة بعدما انحسر الاحتياطي النقدي بمعدل 8.5 مليار دولار، خلال شهري مارس وأبريل، حيث بلغ في نهاية الشهر الماضي 37.037 مليار دولار، مقابل 45.5 مليار دولار في نهاية فبراير.

وتنفق مصر قرابة 5 مليارات دولار شهريا على الواردات السلعية، بما يعني أن الاحتياط النقدي يكفي بالكاد لتلبية حاجات البلاد لبضعة أشهر مقبلة، بالنظر إلى انهيار مصادر ضخ الدولار في البلاد وفي مقدمتها السياحة وتحويلات المصريين في الخارج.

ورغم أن انخفاض احتياطات النقد الأجنبي لمعظم دول العالم نتيجة تداعيات فيروس "كورونا" يعد أمرا طبيعيا، لكن عدم تقديم الحكومة تفسيرا دقيقا لحرقها خُمس الاحتياطات النقدية خلال شهرين فقط، أثار القلق لدى المراقبين للاقتصاد في مصر، خاصة في ظل إعلان "السيسي" عن تخصيص 100 مليار جنيه لمواجهة تداعيات كورونا.

ويضاعف هذا القلق أن مصر اتفقت مع صندوق النقد الدولي، في نوفمبر 2016، على قرض بلغت قيمته 12 مليار دولار خلال مدة 3 سنوات، وطبقت بسببه إجراءات مؤلمة مست الفقراء ومحدودي الدخل تضمنت تحرير سعر صرف العملة الذي تسبب في ارتفاع معدلات التضخم، ورفع أسعار الكهرباء والمياه والوقود والنقل بنسب ضخمة.

وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن إصدار أموال البنكنوت دون غطاء دولاري أو من الذهب، يفقد العملة المصرية قيمتها، ويتسبب في زيادة التضخم في السوق المصرية وغلاء الأسعار.

ومؤخرا توقعت شركةVTB  كابيتال ارتفاع معدل التضخم في مصر إلى أكثر من 13% خلال الستة أشهر المقبلة، بعد الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها حكومة الانقلاب.

 3 أزمات بالطريق

وإزاء استمرار سياسة طباعة العملة على المكشوف، من المرجح أن تواجه مصر 3 معضلات اقتصادية خلال الفترة المقبلة؛ أولها هو احتمالية ارتفاع أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه،  أما المعضلة الثانية فهي استمرار تآكل احتياطي النقد الأجنبي وانحسار الموارد المالية الأجنبية، لا سيما من السياحة والصادرات وتحويلات المصريين العاملين في الخارج؛ وهو ما سيدفع الحكومة لزيادة حصيلة ديونها عبر اقتراض المزيد من الأموال من الخارج.

جدير بالذكر أن الدين الخارجي المصري قفز من 109 مليارات دولار إلى 112 مليار دولار في الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر الماضيين فقط.

أما المعضلة الثالثة فتتمثل في زيادة نسبة التضخم جراء عدم وجود غطاء من السلع والخدمات لطبع العملة، وهو ما وثقه صعود نسبة التضخم لأسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 5.9% خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ4.6% في مارس السابق له.

وارتفعت أسعار الطعام والمشروبات في مصر خلال الشهر الماضي بنسبة 0.9%، فيما ارتفعت أسعار الملابس والأحذية بنسبة بلغت 2.9%، كما صعدت أسعار خدمات السكن والمياه والكهرباء بنسبة 6.8%، والأثاث والتجهيزات بنسبة 3.3%، فيما قفزت أسعار خدمات الرعاية الصحية بنسبة 11.5%، والنقل والمواصلات بنسبة 12.2%، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لا أحد يتحدث عن تلك الأزمات في وسائل الإعلام المصرية رغم تواتر تحذير الخبراء منها، ويعني ذلك أنه في الوقت الذي توشك فيه مصر على مواجهة موجة طاحنة شديدة من الأزمات الاقتصادية، تواصل الحكومة المصرية عادتها الأثيرة بإبقاء شعبها في الظلام.

Facebook Comments