شهدت مصر، الأسبوع الماضي، عددًا من الأحداث المهمة، منها إعلان حكومة الانقلاب عن رفع الحد الأدنى للأجور 2000 جنيه للدرجة السادسة و7 الآف للممتاز، فى الوقت الذى كانت فيه تقوم برفع أسعار الوقود (البنزين والسولار والغاز) بعد أسبوع واحد فقط من رفع أسعار الكهرباء.

وكان حكومة الانقلاب قد أصدرت قرارا بزيادة الحد الأدنى للأجور.. القرار يخص العاملين بأجهزة الدولة والهيئات الاقتصادية، ويتم احتساب الحد الأدنى لأجر المواظفين المخاطبين بأحكام قانون الخدمة المدنية ويكون شاملاً الأجر الوظيفى والأجر المكمل والأعباء التأمينية.

وجاءت على أن يكون الحد الأدنى لإجمالي الأجر، الذي يستحق للموظف أو العامل، بدءا من أول يوليو الجاري عند شغله للدرجة الوظيفية الممتازة 7 آلاف جنيه شهريا، فيما يبلغ الحد الأدنى لأجور الدرجة العالية 5 آلاف جنيه، ودرجة المدير العام 4 آلاف جنيه.

أما فيما يتعلق بالدرجة الأولى، فيكون الحد الأدنى لها 3500 جنيه، والثانية 3000 جنيه، والثالثة 2600، والرابعة 2400، والخامسة 2200، والسادسة 2000 جنيه.

مأساة 25 مليون عامل مصري

بدروه، قال الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، صاحب كتاب “هل مصر بلد فقيرة حقا؟” والذي تم منع تداوله لما يحتويه من إحصائيات فضحت سلطة الانقلاب بشأن غنى وفقر مصر، إن بعد ثورة 25 يناير، كانت هناك قرارات من الحكومات المتعاقبة تطالب بوضع حد أدنى للأجور يتوافق مع مطالب الشعب ويؤمن مستقبلهم وحكاية كريمة لملايين المصريين.

وأشار “عبد الخالق” في حوار تلفزيوني إلى أنه وبعد دراسات من مراكز أبحاث تم الإتفاق على وضع 1200 جنية كحد أدنى إبان ثورة 25 يناير لضمان حياة جيدة للشعب، إلا أن الظلم البين الذي وقع على 3.5 مليون مصري وهم من فئة المدرسين 1.7 مليون موظف “التربية والتعليم” لم ترجح الكفة وبات ميزان العدل المعيشى منقوصا في مصر.

الخبير الاقتصادي تابع: والآن بوعد ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، عندما يتم الحديث عن حد أدنى 2000 فهو لا يتناسب إطلاقا وفق المعايير الاقتصادية الحالية في مصر مع مايعيشه المواطن المصري حاليًا.

أما فئة أصحاب المعاشات والعمال الخدميين “عمالة معاونة والذين خدموا الدولة أكثر من 35 عاما فهم في حالة مأساة حقيقية، وهذا بعيد تماما عن 11 مليون مصري يعملون في القطاع الخاص والقطاعات غير المنظمة.

وأكد “فاروق”: أن هؤلاء يقعون تحت طائلة التدمير الذاتي في أي لحظة من قبل أصحاب الأعمال المتهربين من التأمينات والضمانات الاجتماعية وغيرها، مع التأكيد بأن الدولة لا تتحرك وتقف متكوفة الأيدي لمثل هذه الأعمال السيئة الضارة بملايين المصريين والذين قد يصل عددهم إلى 25 مليون عامل مصري.

لماذا زادت المرتبات؟

في المقابل، قال الخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله إن هذه الزيادة الأخيرة يجب أن تتبعها سبع زيادات أخرى وبنفس النسبة، حتى يعود موظفو الدولة لنفس مستوى معيشتهم قبل مجيء السيسي.

وأضاف: تفاجأ الجميع، وأنا شخصيًا بما حدث من زيادة للرواتب والمعاشات ورفع الحد الأدنى للأجور في مصر، خاصة بعدما بدا واضحا أن الحكومة لا تنظر للمواطن البسيط، وأنها تعول فقط على الردع الأمني لبتر أية محاولة للتململ، حتى لا تكبر وتصبح حركة اعتراضية قد تتسع إلى ما لا يرغبه النظام.

وأشار في تصريحات صحفية له إلى أن تمويل الزيادات بحد ذاته يحتاج إلى توضيح، خاصة أنه لا توجد مصادر معروفة لهذا التمويل في ما تسرب من مشروع الموازنة الجديد، مشيرًا إلى أن انخفاض معدل التضخم في الفترة الأخيرة لا يأخذ في حساباته إلا مجموعة منتقاة من السلع، ولا يأخذ في الاعتبار زيادة رسوم الخدمات الحكومية، إضافة إلى الزيادات غير الرسمية في أسعار المواصلات التي يستخدمها المواطن مثل الميكروباص والتوكتوك.

2- من أين تموّل الزيادات؟

وواصل الخبير الاقتصادي “ذكر الله” كشف حقيقة زيادات الأجور؛ حيث قال: طالما روّج السيسي أن زيادة مرتبات موظفي الدولة في أعقاب ثورة يناير كانت أهم أسباب التضخم، وعبر أحاديث موثقة، قال محافظ البنك المركزي إنه كثيرًا وتحت وطأة الأزمة الاقتصادية، ما كان يتم اللجوء إلى طبع النقود كوسيلة لمواجهة نقص السيولة، خاصة في مجال دفع مرتبات الموظفين، مؤكدًا أن ذلك أحد أسباب التضخم، ومتعهدًا بأن ذلك لن يحث مجددًا.

وتابع: بعد ما تروج له الدولة من إنجازات، وما تزعمه من نجاح لبرنامجها مع صندوق النقد الدولي، عنونت الكثير من الصحف المصرية لخبر الزيادة بأنه ثمرة لبرنامج الإصلاح. وسريعا جاءت أرقام وزارة المالية لتخيب ظن الجميع؛ حيث أعلنت أن عجز الموازنة العامة الجديدة (2020/2019) سيصل إلى 440 مليار جنيه، وهو تقريبا نفس عجز الموازنة العامة الحالية (2019/2018) والمقدر بحوالي 438.5 مليار جنيه.

وبالتالي، لا يحتاج الأمر إلى الكثير من التفكير حول طريقة توفير مخصصات رفع الحد الأدنى وزيادة المعاشات. فمن المؤكد دفعها عبر المزيد من طبع النقود، وهو ما سيعمل على تأجيج معدلات التضخم في الفترة القادمة، لا سيما أنه أتى متزامنًا مع رفع الدعم المزمع تطبيقه على المحروقات.

3- لماذا تراجع السيسي؟

ذكر الله كشف أيضًا عن عزم السيسي على مواصلة برنامج الصندوق، خاصة في ظل التصميم على إكمال مجموعة المشاريع، والتي أسماها بالقومية، وعلى رأسها العاصمة الإدارية وشبكة الطرق والأنفاق الجديدة، وهي التي كلّفت مئات المليارات، ومُولت من خلال المعونات والقروض الخارجية والداخلية، وكانت جميعها دون دراسات جدوى، ولا تخدم أهدافا تنموية بذاتها، ولا يجمعها رابط بحيث يمكن القول بتكاملها وخلقها لحالة تنموية شاملة؛ تُحدث تغييرات متعمدة في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

وكان الإعلان الأخير عن زيادة الحد الأدنى للأجور وزيادة المعاشات خروجا عن المألوف للسيسي ونظامه، في ما عده الكثيرون تراجعا عن مواقف معلنة سابقاً، تعمد فيها الإفراط في القسوة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فيما فسره الكثيرون بسياسة الإلهاء بالبحث عن لقمة العيش، لنسيان الهموم السياسية.

Facebook Comments