تلح حكومة عسكر 30 يونيو عبر أبواقها الإعلامية في الفضائيات والصحف على أن اكتشاف حقل ظهر يحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز مع نهاية العام الجاري 2018م.

وزعم وزير البترول بحكومة الانقلاب طارق الملا، خلال تصريحات خاصة بفضائية اكسترا نيوز، اليوم الأحد 4 فبراير 2018م، أن مصر ستنجح في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز نهاية العام الحالي، وبمعدل إنتاج 6 آلاف قدم مكعب يوميا.

غير أن كثيرا من الخبراء يرون أن ظهر وغيره من الحقول التي تم اكتشافها خلال السنوات الأخيرة ستمكن مصر في الأساس من تلبية جزء مهم من احتياجاتها المحلية ووقف استيراد الغاز المسال بأسعار مرتفعة، وأن الحديث عن التصدير في المرحلة القريبة ربما يحمل “كثيرا من التفاؤل والمبالغة”.

وهو ما أكده وزير البترول طارق الملا، نفسه، أمام مجلس النواب، في تصريح مناقض بتاريخ 26 ديسمبر الماضي 2017م عندما قال إن “إنتاج حقل ظهر من الغاز ليس كنزًا كما يعتبره البعض”، موضحا أن مصر تحتاج إلى 3 حقول مثله، خاصة مع نضوب عدد من حقول الغاز الحالية.

وقال مصدر بغرفة البترول، طلب عدم ذكر اسمه حسب موقع “مصراوي” الموالي للعسكر، إن ما تقصده الحكومة بالاكتفاء الذاتي في نهاية 2018 هو التوقف عن الاستيراد، “وهذا أمر ممكن فعلا، وسيتحقق خلال العام الجاري.. لكن هذا ليس هو الاكتفاء الذاتي”.

وأوضح المصدر أن مفهوم الاكتفاء الذاتي “الحقيقي” هو أن “تلبي حصة مصر من إنتاج الحقول المكتشفة احتياجات السوق المحلية من الغاز ولكن ذلك لن يتحقق خلال 2018، ولسه بدري عليه أوي، لأن الدولة ستعتمد أيضا بالإضافة إلى حصتها على شراء حصة الشريك الأجنبي في هذه الحقول”.

للشركات الأجنبية لا لمصر

وفي مقاله المنشور أمس على بوابة “الجزيرة مباشر” بعنوان «وهم الاكتفاء الذاتي للغاز المصري»، يفند الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي، هذه التصريحات مؤكدا أنها تحتوي على مغالطات كبيرة ومبالغات أكثر.

يقول الولي: «بشرت وسائل إعلام مصرية بقرب تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، بعد بدء الإنتاج المبكر من حقل ظُهر الكبير خلال الشهر الماضي، مستندا الى تصريح وزير البترول بوقف استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال في يونيو من العام الجاري، مع ارتفاع إنتاج حقل ظُهر إلى مليار قدم مكعب يوميا، إلا أن هذا الادعاء به مغالطة كبيرة».

ويشرح الولي ذلك مضيفا أن الوزير «يقارن بين الإنتاج المحلى والاستهلاك الذي سيتجه إلى التقارب بنهاية العام الجاري، ويعتبر أن زيادة الإنتاج عن الاستهلاك بعد ذلك يعنى تحقيق فائض، لكنه تناسى عاملا مهما وهو أن الإنتاج المحلى الذي تقوم به شركات أجنبية لا تملك مصر منه سوى حوالي 45% تمثل حصتها بالإنتاج، والباقي ملك الشركات الأجنبية».

ويوضح الولي أن «مصر تقوم منذ سنوات بشراء حصة الشركات الأجنبية، لعدم كفاية حصتها للاستهلاك المحلى، وعندما زاد الاستهلاك في عام 2015 عن الإنتاج المحلى شاملا نصيب كل من الشركات الأجنبية ومصر، فقد لجأت إلى الاستيراد للغاز، من خلال شراء شحنات غاز مسال من الأسواق الدولية، إلى جانب كمية أخرى تستوردها من الأردن، ومع بدء إنتاج مصر خلال العام الماضي من بعض الحقول الجديدة فقد زاد الإنتاج المحلى، إذ تشترى نصيب الأجانب به، والذي يتوقع أن يعادل حجم الاستهلاك المحلى بنهاية العام الجاري، ومن هنا فكل ما سيحدث وقتذاك هو استبدال مصر الشراء لباقي احتياجاتها من الغاز، بدلا من الشراء من الخارج بالشراء من الداخل».

توفير 45% من نفقات الاستيراد

ويؤكد الولي أن مصر تستمر هكذا في شراء أكثر من نصف استهلاكها من الغاز الطبيعي من الشركات الأجنبية العاملة في مصر، ومن المغالطة أن يقول وزير البترول إن مصر ستوفر 250 مليون دولار شهريا قيمة الاستيراد الشهري من الغاز، عندما يتوقف الشراء من الخارج، لأن مصر ستشترى حوالي نصف تلك الكمية من الداخل، وكل ما ستوفره فرق تكلفة نقل شحنات الغاز المسال التي كانت تستوردها، وتكلفة مركب التغيير التي كانت تعيد تحويل الغاز من حالته السائلة إلى الحالة الغازية لضخه في أنابيب الشبكة القومية المحلية.

كما يمكنها الاستفادة من فرق السعر في حال ارتفاع أسعار الغاز دوليا، مع شرائها الغاز بحد أقصى 5.88 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية -وهو مقياس لحساب كميات الغاز الطبيعي– حسب اتفاقاتها على سعر الشراء من الشركات الأجنبية.

 

39 % حصة مصر بحقل ظُهر

أما عن حقل ظهر الذي اكتشفته شركة إينى الايطالية في أغسطس 2015، فقد بدأ إنتاجه المبكر خلال الشهر الماضي بنحو 200 مليون قدم مكعب يوميا زادت حاليا إلى حوالي 400 مليون قدم مكعب يومي، ويتوقع زيادتها إلى مليار قدم مكعب يومي بمنتصف العام الجاري، كما يتوقع بلوغه الحد الأقصى للإنتاج بنحو 2.7 مليار قدم مكعب يومي بنهاية العام المقبل.

وحتى لا يتوه القارئ مع الضجة الإعلامية الصاخبة حول إنتاج حقل ظهر -حسب الولي- فإنه حتى مع رقم بلوغ إنتاجه الحد الأقصى فإن هذا الإنتاج يكاد يعادل نسبة 60% من الاستهلاك اليومي من الغاز الطبيعي لمحطات الكهرباء حاليا، والتي تزيد عن 4 مليارات قدم مكعب يومي، بخلاف 26 ألف طن من المازوت يوميا وثلاثة آلاف طن سولار يوميا.

ومن المهم أن نعرف أن حصة مصر من إنتاج حقل ظُهر 39% فقط، فعندما يتحدث مسئولو حكومة الانقلاب عن تحقيق إنتاج ظُهر لوفر للخزانة المصرية، فيجب حصر الوفر بنسبة 39% فقط من الإنتاج وليس كامل الإنتاج، إذ يتم شراء النسبة الباقية من الشريك الأجنبي.

وكان وزير البترول المصري قد عرض بيانات رقمية بحفل افتتاح حقل ظُهر، جاء بها إن إنتاج مصر من الغاز سيصل في يونيو المقبل إلى 5.52 مليار قدم مكعب يومي، بينما يصل الاستهلاك المحلى 5 مليارات و785 مليون قدم مكعب، بعجز 265 مليون قدم مكعب، لكنه بنهاية العام يمكن تقارب الإنتاج مع الاستهلاك ليتم تحقيق فائض بمنتصف العام المقبل بين الإنتاج والاستهلاك بنحو 365 مليون قدم مكعب.

توقع العودة للاستيراد بعد عامين

وكما ذكرنا حسب الولي فإن نصيب مصر من ذلك الإنتاج حوالي 45% فقط، أي حوالي 3 مليارات قدم مكعب من إجمالي إنتاج 6.75 مليار قدم في منتصف العام المقبل، بينما سيكون الاستهلاك المحلى وقتها 6 مليارات و385 مليون قدم مكعب، أي أنه سيتم شراء حوالي 3.3 مليار قدم مكعب غاز من الشريك الأجنبي داخل البلاد.

وهكذا أكد رئيس غرفة صناعة البترول باتحاد الصناعات المصرية بمؤتمر بترولي عقد بإحدى المؤسسات الصحفية الشهر الماضي، إذ قال إن الاكتفاء الذاتي يمكن أن يتحقق عندما يصل الإنتاج المحلى 13 مليار قدم، بحيث يكون نصفه كافيا للوفاء بحجم الاستهلاك المحلى من الغاز الطبيعي.

وهذا الأمر يحتاج برأيه إلى ثلاثة اكتشافات ضخمة بحجم حقل ظٌهر، بينما يشير الواقع إلى أن الحقول التي يتم تطويرها حاليا وأشهرها حقول شمال الإسكندرية ستضيف في مرحلتها الثانية ما بين 500 إلى 700 مليون قدم مكعب فقط، وحقل أتول شمال دمياط يمكن أن يضيف 500 مليون قدم مكعب.

ولهذا يرى بعض الخبراء أن مصر عائدة إلى الاستيراد للغاز الطبيعي مرة أخرى بنهاية عام 2019 أو بعام 2020، لعدم كفاية ما ستنتجه الشركات الأجنبية بالداخل للاحتياجات المحلية!

نصف مليار قدم تناقص للآبار

عامل آخر مهم -حسب الولي- وهو التناقص الطبيعي للآبار كما زاد عمرها، والذي كان يدور حول نسبة 25% من الإنتاج قبل ربط الإنتاج بعض الحقول الجديدة بخطوط توزيع الغاز، إذ كان المعدل السنوي حوالي 1.2 مليار قدم مكعب حتى عام 2015، ورغم مساهمة الحقول الجديدة في تقليل معدل التناقص، إلا أنه ما زال يدور حول 40 مليون قدم مكعب شهريا، أي حوالي نصف مليار قدم مكعب سنويا.

وهكذا ما زال أمل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي مؤجلا لسنوات، وهو ما يعنى تأجيل العودة إلى تصدير الغاز الطبيعي الذي توقف منذ عام 2015، ورغم الاتجاه لوقف استيراد الغاز المسال بمنتصف العام الجاري، مع زيادة إنتاج حقل ظهر وحقول شمال الإسكندرية وحقل آتول، فلم يتحدث أحد من مسئولي الحكومة عن وقف استيراد الغاز من الأردن عبر خط الأنابيب الواصل بينها وبين مصر.

كما أن هناك اتفاقية مع قبرص لاستيراد 700 مليون قدم مكعب منها عام 2019-2020، كما تم إقرار قانون لأنشطة الغاز سمح للقطاع الخاص باستيراده مباشرة، وبالفعل جرت مباحثات للقطاع الخاص المصري لاستيراد الغاز من دولة الإحتلال الإسرائيلي وقبرص، إلا أن السلطات المصرية تشترط لقبول الغاز الإسرائيلي تنازل الكيان الصهيوني أولا عن غرامة قضية التحكيم التي كسبتها ضد مصر بسبب توقف مصر عن تصدير الغاز لها عام 2012.

Facebook Comments