كلنا نعلم أن قائد الانقلاب يبني العاصمة الإدارية لكي يتحصن فيها هو ونظامه وأجهزته الأمنية والسيادية والقضائية، من أي ثورة قادمة، لهذا بناها في صورة دوائر يقيم هو في قصره في المنتصف وتحيطه دوائر مباني الشرطة والمخابرات والجيش والقضاة والنيابة وغيرها.

وكلنا نعلم أن العاصمة الإدارية أحد مصادر إفلاس الاقتصاد المصري بسبب الانفاق الرهيب عليها وتحصينها وبناء سور ضخم حولها، ما أضاع أموال الشعب وحولها إلى رفاهية الجنرالات والمستفيدين من انقلاب الدولة العميقة.

وكلنا نعلم أيضا أن ما يقال عن أن العاصمة تنفق على نفسها بنفسها من حصيلة بيع اراضيها (التي بيع منها 70% حتى الآن) هو محض أكاذيب؛ لأن هذه أموال الشعب ولم تدخل لخزينة الرسمية وإلا لحققت طفرة وانتعاش اقتصادي للمصريين بأموالها ولكن جرى انفاقها على بناء الفيلات والمنتجعات وملاعب الجولف والتحصينات الأمنية لجنرالات الانقلاب.

ولكن ما لا يعلمه كثيرون هو “النهيبه” الكبيرة التي تتستر خلفها العاصمة الإدارية، التي تحولت إلى “دولة العسكر المستقلة” والتي كشف عنها بشكل غير مقصود العميد خالد الحسيني المتحدث الرسمي لشركة العاصمة الإدارية في حوار مع مذيعة برنامج “بتوقيت مصر” على قناة BBC والذي كشف عدة فضائح على الربط التالي:

بحسب ما قاله المتحدث باسم العاصمة الادارية يمكن أن نرصد معالم النهيبه الجديدة المعترف بها رسميا بالأرقام والتصريحات على النحو التالي:

(أولا): كل المباني الحكومية التاريخية القديمة (مباني الوزارات والإدارات الحكومية التي سيتم نقلها الي العاصمة الإدارية)، وأغلبها قصور تاريخية، ومباني أثرية ستؤول ملكيتها لشركة العاصمة الإدارية بعد نقل الوزارات إلى العاصمة وسوف يعطوا المباني الأثرية إلى وزارة الثقافة أما باقي المباني المصنفة غير اثرية فسوف تستولي عليها شركة العاصمة الإدارية (تعتبر هي الحكومة المستقلة هناك) بحيث يتم بيعها لصالح الشركة ولن يدخل الخزانة العامة أي جنيه واحد من حصيلة بيع ثمن أرض العاصمة الإدارية التي تبلغ مساحتها 170 ألف فدان للخزانة العامة للدولة المصرية، أو مباني القاهرة التاريخية القديمة التي تم تقدير قيمتها بحوالي 700 مليار جنيه!!

وأثناء مناقشة القناة للمتحدث باسم “العاصمة الإدارية” الجديدة، حول المسائل الخاصة بالتمويل قال إن “شركة العاصمة الإدارية” التي تدير المشروع هي التي سوف تتحمل تكلفة إنشاء المباني الإدارية الخاصة بالحكومة، والعائد الذي ستحصل عليه بالمقابل هو “من حقهم الحصول على المباني الحكومية القابعة في وسط قاهرة المعز”.

وزعم أن “المباني الأثرية ستُتْرك، أما غيرها فلنا حق التصرف فيها!”، ولكن من سيحدد أنها أثرية، فعلى سبيل المثال لا الحصر كان مبنى وزارة التربية والتعليم قصرا للأميرة فائقة ابنة الخديوي إسماعيل بـ”التبني”، فهل سيخفون التاريخ من العاصمة القديمة ويهدمون هذه المباني الاثرية ليقيموا عليها مشاريع لصالح “حكومة العاصمة الادارية المستقلة”؟!!

(ثانيا): الشعب لن يستفيد من حصيلة بيع أرضي المشروع للمستثمرين التي تقدر بمليارات الجنيهات، ولن يدخل الخزانة العامة التي تنفق على المصريين من هذا المشروع غير الضرائب التي تدفعها شركة العاصمة الادارية للدولة.

(ثالثا): عبد الفتاح السيسي الذي أمر الموظفين في الوزارات المختلفة بالرحيل إلى العاصمة الإدارية ليكونوا في خدمة شعب “دولة العسكر” الشقيقة في العاصمة الإدارية، رفض تحمل نفقات المسكن أو الانتقال وقال هذا بوضوح خلال افتتاح مجمع الإسمنت التابع للقوات المسلحة في محافظة بني سويف مؤخرا؛ حيث أكد وقتها رفضه تخصيص سيارات لنقل العمال عبر نقاط تجمع إلى مكان العمل؛ “نظرا لما تتحمله الشركة من تكلفة نقل!”، على حد تعبيره.

ومعني هذا أنه مطلوب من كل موظف أن يتدبر حاله ويركب مواصلات عامة وخاصة تستهلك ساعتين على الأقل في الذهاب ومثلهم في العودة، أي 4 أو 5 ساعات مواصلات + 8 ساعات عمل، أي يقضي يومه بالكامل (12 ساعة) في الذهاب لعمله والعودة، وينفق أضعاف أضعاف ثمن ما يدفعه حاليا في المواصلات!!

الديون الخارجية

(رابعا): رغم مقولات قادة الانقلاب المتكررة عن شح موارد الدولة واستمرارهم في الاقتراض حتى تخطت الديون الخارجية 100 مليار دولار و3.4 تريليون جنيه دينا داخليا، إلا أن الانقلاب لا يبخل على العاصمة الإدارية بأي أموال أو موارد.

فالسيسي الذي قال “أجيب لكم منين” و”مش قادر اديك” و”لو ينفع اتباع هاتباع”، هو هو الذي امر مسئولي الانقلاب بعدم التأخر عن أي طلب للعاصمة الإدارية، التي تعتبر مقر الحكم الجديد.

وهذا بخلاف الانفاق الباذخ على المباني الفخمة التي لا تناسب 95% من المصريين؛ لأنها لا تقل عن 4 ملايين جنيه للشقة، وبناء المنتجعات وبرك المياه والنهر الاخضر وملاعب الجولف وغيرها، يجري تشييد بنية تحتية مخصوصة للمدينة في وقت لا يجد فيه ابناء القري المياه النظيفة للشرب.

وآخر مظاهر البذخ كانت نقل 850 ألف متر مكعب يوميا من نهر النيل إلى العاصمة الإدارية، بحسب اللواء أحمد زكي عابدين رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية عبر محطة مياه رئيسية.

ومعنى هذا أن العاصمة الإدارية سوف تستهلك 300 مليون متر مكعب سنويا، أي اقل من نص مليار مرت مكعب سنويا، علما أن حصة مصر من النيل سوف تناقص لمدة 7 سنوات على الأقل مع بدء ملء سد النهضة من 55 مليارا إلى قرابة 35 مليارا فقط.

أيضا رغم التقطير على الصحة والمستشفيات في الموازنة الجديدة، والتقطير على مشاريع الشعب الاساسية، هناك سفه في الانفاق وتسريع العمل في “العاصمة الجديدة” وحديث وزير الإسكان عن إنشاء أكبر برج في إفريقيا بالعاصمة الإداري، وإنفاق ضخم أخره بناء قطار كهربائي بـ 1.2 مليار جنية، ودار للأوبرا ومسرحين بقرابة 4 مليارات جنيه، بينما الشعب لا يجد قوت يومه.

أكبر عملية نصب

معني هذا أن مصر بهذا المشروع تعرضت لأكبر عملية نصب غير مسبوقة للاستيلاء على ثروة البلاد المتمثلة في المباني الحكومية القديمة التي تبلغ قيمتها السوقية حوالي 700 مليار جنية بالإضافة الى الاستيلاء على مساحة ارض العاصمة الادارية نفسها التي تبلغ 170 ألف فدان والتي تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الجنيهات في هذا الموقع، إذ ان الشركة تبيع المتر حاليا بسعر متوسط للمستثمرين 3.5 الف جنية بينما يباع متر السكن للجمهور بما يتراوح بين 6 و12 الف جنية للمتر الواحد وكلها اموال تصب في خانة “دولة العسكر” الشقيقة في العاصمة الادارية وشركات المخابرات والجيش التي تتولي التنفيذ هناك!!

وتقدر تكلفة إنشاء العاصمة الإدارية بـ 23,6 مليار جنيه، وتقام على مساحة 170 ألف فدان، فضلاً عن ارتفاع أسعار الشقق والمباني بها ليصل سعر الشقة لـ 3 مليون جنيه، والفيلا الي 9 مليون كأنها قاصرة على أعوان الانقلاب.

سر عدم البخل على العاصمة الجديدة بأي أموال؟

يمكن تلخيص أسباب ذلك فيما يلي:

1. السيسي يبني “ثمود” جديدة تحمي نظامه بصروح دفاعية وامنية لحماية نفسه من أي ثورة شعبية مقبلة والتحصن وراء اسوار المدينة حيث “الكيان العسكري ومظاهر البذخ مثل اوبرا وقصور وقلاع ومنتجعات ومسابح.

2. الاهتمام بالعاصمة الجديدة نابع من كونها مقر الحكم الجديد ومقر ما يسميه الانقلاب “الكيان العسكري” الذي يضم كافة أجهزة الأمن والدفاع والمخابرات وقصور الرئاسة لحماية رموز الانقلاب من الثورات التي كانت تحاصر القاهرة.

3. “الكيان العسكري” عبارة عن مدينة أو كيان منفصل داخل العاصمة الإدارية، مساحته تعادل مساحة القاهرة الجديدة تقريبا (التي تبلغ 70 ألف فدان أي 283 كيلومترا مربعا)، بينما مساحة العاصمة الادارية الجديدة الإجمالية هي 170 ألف فدان، أي 687 كيلومترا مربعا (القاهرة القديمة مساحتها حوالي 1.5 ألف كيلومتر مربع)

4. يضم هذا “الكيان العسكري” الضخم (الواقع داخل العاصمة الادارية) القصر الرئاسي ووزارة الدفاع والهيئات السيادية (المخابرات الحربية والعامة) ومباني الوزارات، ومجموعة من المنشأت الترفيهية على غرار نوادي ودور القوات المسلحة، إضافة الي مساكن الضباط العاملين في هذه المنشأت.

5. يتوسط هذا الكيان العسكري (الواقع داخل العاصمة الإدارية)، كيان عسكري أخر به مقر قصر إقامة السيسي (بخلاف القصر الرئاسي)، وقصور أعضاء المجلس العسكري علي شكل وردة سيميترية، أي متجانسة ومتساوقة، أما حواشي وأطراف هذا الكيان العسكري فمليئة بملاعب جولف وبرك صناعية وما تيسير من وسائل الترفيه الأخرى.

6. مبني وزارة الدفاع الجديد الضخم تكلف 2.2 مليار جنيه ليضاهي مبني البنتاجون وأطلق عليه اسم “الاوكتاجون” عليه؛ لأنه ثماني الأضلاع، ومبنى وزارة الداخلية بني ليكون حصن الأمان الذي يمنع تكرار ثورة يناير أو يحمي السيسي وجنرالاته داخل اسوار مدينته الجديدة المحصنة بالسلاح وقوي الامن المتعددة.

7. يتكون “الكيان العسكري الجديد”، بحسب ما تطلق عليه صفحة EGY ARMY، من 10 مبان ضخمة تضم عدد 2 مبنى وزاري، بالإضافة إلى 8 مباني إدارية ثمانية الأضلاع Octagon ترتبط جميعها بشبكة أنفاق.

8. تشكل الاسوار الخرسانية الضخمة بارتفاع حوالي 7 أمتار، حاجزا متعمدا بين الشعب المصري وقادة نظام الانقلاب، لهذا أنفق المليارات لبناء هذه الأسوار، لعزل مسئولي سلطة الانقلاب ورجال الأعمال وكبار الدولة أنفسهم عن الشعب بهذا السور التي تشبه أسوار المستوطنات الإسرائيلية.

 

Facebook Comments