في خطابه بما يسمى بملتقى الشباب العربي الإفريقي الذي أقيم بمحافظة أسوان جنوب مصر تحت شعار “مستقبل البحث العلمي وخدمات الرعاية الصحية”، تحدث زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي بلغة السماسرة لا رؤساء الدول، وكشف عن حالة من الهوس بما يسمى بالإرهاب وكذلك بمؤتمرات الشباب التي يتخذ منها السيسي “مكلمة” مع شباب منتقين بعناية فائقة من جانب أجهزته الأمنية؛ في محاولة لتصدير صورة للعالم الخارجي تخالف الواقع وتضلله بأن النظام العسكري في مصر يهتم بالشباب ويمنح لهم مساحات واسعة من الحرية والنقاش بينما يقبع عشرات الآلاف من شباب ثورة 25 يناير في سجون النظام بتهم سياسية ملفقة وتصدر بحقهم أحكام شديدة الظلم افتقدت أدني معايير النزاهة والعدالة.

وثمة عدة ملاحظات على خطاب السيسي أمس بهذه المكلمة:

سمسار لا رئيس

أولا: تحدث السيسي بلغة السماسرة لا رؤساء الدول، وذلك عندما طالب الدول الغربية بنسبة على العقول المصرية التي تبدع وتنجح في بلادهم؛ وهو ما أثار استياء واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي ممزوجة بكم هائل من التهكم والسخرية على سطحية تفكير وتصورات هذا الجنرال الأرعن؛ ذلك أن أي رئيس جاد ورصين يبذل أقصى مساعيه من أجل توفير البيئة اللازمة حريات وعدالة ورعاية كبرى بالبحث العلمي من أجل استرداد هذه الكنوز المهاجرة لا التعامل بمنطق السمسار والحصول على نسبة على كل “راس”!.

حيث دعا رئيس سلطة الانقلاب أمس الأحد 17 مارس 2019م، الدول الأجنبية لإعطاء مصر نسبة شراكة في اختراعات العقول المصرية في الجامعات والمؤسسات الأجنبية، وقال السيسي: “نرغب في الحديث والاتفاق مع الدول الأجنبية، في أن يعطونا نسبة من الاختراع الذي يقدمه المخترع المصري”، مضيفا أن “ما يقدمه العقل المصري أو ما ينتجه تكلفته تكون محل نظر”. وتابع: “نريد أن يكون هذا لأفريقيا كلها. نريد نسبة مشاركة ويكون الأمر شراكة فقط… نحن سنبعث لكم عقولا، لكننا نريد أن نستفيد أيضا، نحن نعلم أيضا، صحيح أنه لا نملك جامعات لها 800 سنة مثلما يمتلكون، إلا أن لدينا أناسا يمكنهم أن يختصروا أو يوفروا هذا الوقت”.

السياسي الليبرالي، عمرو عبد الهادي، تهكم على جنرال العسكر في تغريدة له على حسابه بـ”تويتر” قائلا: “لما قرأت خبر أن السيسي عايز عموله على كل مصري ينجح بره مصدقتوش. انما لما سمعته بردوا مصدقتوش ده محصلش”. وأضاف ساخرا: “سيسي على كده يطلب من بريطانيا عموله بدل حذاء عن محمد صلاح وبدل مخ عن عصام حجي. لا رحم الي في الداخل ولا رحم الي في الخارج”.

الحرب على الإرهاب

ثانيا: أبدى الجنرال الأرعن كعادته، حالة من الهوس بما تسمى بالحرب على الإرهاب.. حيث تناول السيسي ما أسماها بالتحديات الكبيرة ووضع على رأسها ما يسمى بالإرهاب ثم التمويل؛ حيث قال الجنرال إن “نحن لدينا موارد طبيعية ضخمة جدًا، وفرص بلا حدود، من الممكن الاستفادة منها في القارة الإفريقية.. ولا شك أن هناك تحديات كبيرة منها الإرهاب، وأنا أعترف أن أكبر نسبة من العناصر الإرهابية موجودة في إفريقيا لأسباب كثيرة”، على حد قوله. وأضاف زعيم الانقلاب أن “الإرهاب يؤثر على مستقبل الدولة الوطنية، إلى جانب الفساد، والصراعات الداخلية…ويجب التواصل مع شبابنا، وإقناعهم بالمخاطر التي يمكن أن تحدث نتيجة عدم تفهم التهديدات”.

ولا يخلو خطاب للسيسي من هذه الحرب المفتعلة على ما يسمى بالإرهاب والذي يراد له أن يبقى حتى يبقى شماعة جاهزة لتعليق فشله عليها، وتحقيق مكاسبه السياسية من خلاله ووأد أي حراك سلمي من أجل استعادة ثورة يناير.

الإنفاق على هذه المؤتمرات

الملاحظة الثالثة: أن السيسي عندما أراد تبرير هذه المؤتمرات الشكلية قال إنه وجد أزمة في التواصل مع الشباب فقرر تنظيم هذه المؤتمرات؛ وبالطبع فإن السيسي عندما وجد أزمة مع الشباب اعتقل عشرات الآلاف منهم بتهم سياسية ملفقة وجيء بآلاف الشباب الموالين له من أجل تصدير هذه الصورة المفتعلة؛ حيث جيء بهؤلاء وفق معايير الفرازة الأمنية من أجل منح زعيم الانقلاب طاقة زائفة يبرر بها فشله واستبداده ويجد من يصفقون له على كل شيء حتى لو كان سخيفا تافها.

الأمر الآخر: من أي جاء السيسي بالملايين التي ينفقها على هذه المكلمات الفارغة؟ ألسنا دولة فقيرة أوي كما يقول مرارا؟ فمن أي جاء بهذه الملايين؟ ولماذا لا يتم إنفاقها على مشروعات جادة بدلا من هذا الإهدار وتلك السفاهة في إدارة أموال هذه الدولة الفقيرة التي تعاني من كل شيء وتردي جميع الخدمات ويقتل مواطنوها كل يوم بسبب الإهمال والفساد وإرهاب السلطة؟!

المنّ بأموال الغير

الملاحظة الرابعة: أن السيسي يمن على الأفارقة من خلال إطلاق مبادرة لعلاج مليون إفريقي من مرض “فيروس سي” ضمن مبادرة “100 مليون صحة” التي دشنها في نوفمبر2019م، لعلاج المصريين المصابين بالفيروس، في إطار المنحة المقدمة للحكومة من البنك الدولي، والمقدرة بنحو 429 مليون دولار للقضاء على “فيروس سي” والأمراض غير السارية. فإذا كان السيسي يعالج المصريين من أموال مساعدات دولية؛ فلماذا يتحدث بنبرة من واستعلاء على الأشقاء الأفارقة؟!

Facebook Comments