لم يترك قائد الانقلاب الفاشي عبدالفتاح السيسي فرصة لترويج الاستقرار الأمني المزعوم الذي صنعه العسكر، حتى وإن كلفت تلك الدعاية الملطخة بالدماء خزانة الدولة الخاوية مليارات الجنيهات، إلا أن تبيض وجه النظام الغاشم بات هو الهاجس الأهم لدولة تتسلح حتى آذنيها.

فلا مانع أن تنظم مؤتمرا للشباب بفارق أيام معدودات دون جدوى، لا لشيء إلا لتفنيد حقيقة هشاشة الأمن، كذلك تتعدد مهرجانات السينما من الجونة إلى الإسكندرية إلى القاهرة، رغم شبح الإفلاس الذي يلوح في الأفق المنظور، غير أن المحك الأمني الحقيقي دائما ما يرسب فيه نظام العسكر، حتى إذا كانت المقارنة مع سوريا والعراق، وهي الدول التي طالما تغنى بمأساتها السيسي، ومرر على أنقاضها استيلاءه على السلطة.

الواقع يوثق يوما بعد يوم الهاجس الأمني الذي يسيطر على دولة السيسي، ويفضح حالة الذعر التي تؤرق مضاجع عصابة العسكر، حتى إذا تعلق الأمر بتنظيم مباريات الدوري الممتاز، وإقامة مسابقة مستقرة منتظمة، خوفا من تجمعات الجماهير التي تزلزل أركان الانقلاب، وتحرك المياه الراكدة، وترسخ أن صوت الشعب لن يخرس حتى وإن طال الصمت.

وفي الوقت الذي قررت الجهات الأمنية إقامة الدوري المصري بمدرجات خالية للموسم السابع تواليا، ورضخت لها اللجنة الخماسية المكلفة بإدارة اتحاد الكرة برئاسة عمرو الجنايني، جاء القرار صادما بتأجيل مباراة القمة بين الأهلي والزمالك، والتي كان مقررا لها 19 أكتوبر الماضي، وهو القرار غير المبرر الذي اعترض عليه المجلس الأحمر، قبل أن يتراجع أمام الوساطة الحكومية لأشرف صبحي وزير شباب الانقلاب، بعد اتفاق على توقف الدوري إلى ما بعد أمم إفريقيا للشباب المؤهلة لأولمبياد طوكيو 2020، للتخلص من صداع القمة ولو مؤقتا.

عهد لبنان

إلا أن الصور التي خرجت أمس من بيروت على الرغم من الوضع الأمني غير المستقر في لبنان، على خلفية المظاهرات الحاشدة، جاءت لتفضح هشاشة وذعر السيسي، بعدما احتشدت جماهير نادي العهد بالآلاف لاستقبال بطل كأس الاتحاد الآسيوي، بعد التتويج لأول مرة في تاريخ بلاد الأرز بلقب قاري، على حساب فريق 25 إبريل الكوري الشمالي.

الجماهير احتشدت فور وصول البعثة إلى مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري، دون أي معوقات أمنية في البلد المضطرب، وامتد المشهد إلى مسيرة حاشدة في طرقات ضاحية بيروت الجنوبية وشوارعها الرئيسية.

الصورة بدت كاشفة لهشاشة أمن السيسي، الذي تصيبه تلك اللقطات بالهلع والاستنفار، على غرار ما حدث في انتفاضة سبتمبر، ولا تحتاج إلى تنظير أو تحليل لإيجاد تأويل لتبرير فشل الانقلاب في التعامل مع الجماهير، بين بلد تعج بالتظاهرات، وآخري تعتقل آلاف النشطاء.

الأرض المحتلة

وفي رام الله بفلسطين المحتلة، كانت الصورة أكثر قسوة على الانقلاب المذعور، عندما استقبل أصحاب البلد المحاصر منتخب السعودية، على ملعب فيصل الحسيني، منتصف أكتوبر المنصرم لحساب منافسات الجولة الثانية من التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم 2022، والكأس الآسيوية 2023 لكرة القدم.

وأمام أنظار 15 ألف متفرج، كان الأمن الفلسطيني بالبلد المحتل قادرا على تنظيم المباراة الهامة بحضور الجماهير، وهو الأمر الاعتيادي في ملاعب فلسطين التي تشهد مباريات الدوري هناك حضور مكثف من الجماهير سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة المحاصر.

فلسطين التي تأن تحت وطأة احتلال صهيوني غاشم، لا يقل دموية عن انقلاب السيسي، قادرة على تنظيم مباريات بحضور الجماهير، وأمام مدرجات مكتملة، بينما دولة العسكر التي تصوب أسلحتها إلى صدور المصريين، أجبن من أن تشهد على حضور الشباب إلى ملاعب الدوري البائس والفقير فنيا.

زلزال الكوت

ومن فلسطين إلى سوريا والعراق، وهما النموذجان اللذان تلوكهما ألسنة عصابة الانقلاب، في كل مناسبة للتبرير دموية الانقلاب، والترويج لأكذوبة استتباب الأمن في سجن المحروسة الكبير، إلا أن الكاميرات تفضح تلك الأكاذيب في ملاعب الدوري العراقي، والذي يشهد على حضور جماهير لافت، عكس تطور ملحوظ في الكرة في بلاد الرافدين التي بدأت تستعيد عافيتها من التجميد الدولي.

وكان ملعب الكوت شاهدا على قمة عراقية من العيار الثقيل قبل نحو شهرين فقط، لحساب كأس السوبر المحلي، بين الشرطة والزوراء، بحضور قرابة 25 ألف متفرج، في الوقت الذي تعاني تحت وطأة مشاكل أمنية بعد سنوات من الاحتراب الداخلي بين مليشيات شيعية وتنظيم داعش، وكذلك مظاهرات حاشدة في الشوارع تطالب برحيل النظام الطائفي الفاشل، إلا أن كل تلك الأزمات لم تعوّق تنظيم المباريات بحضور الجماهير، واكتساب احترام العالم ولو رياضيا.

القمة السورية

الوجه الأخر لعملة السيسي الزائفة، يظهر في سوريا، حيث البلد المنكوب تحت براميل بشار الحارقة، والغارات الروسية القاتلة، ومذابح المليشيات الإيرانية، ومقاومة الجيش الحر، ومطامع جيش سوريا الديمقراطية “الكردي”، وتحركات الجيش التركي في الشمال لفرض منطقة آمنة، وتدخلات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتدفق المال الإماراتي والسعودي القذر لإنقاذ رقبة النظام الفاشي، إلا أن كل تلك المعطيات الكفيلة بتكسير عظام البلد الشامي، لم تمنع من إقامة مباريات الدوري وسط حضور جماهيري عريض.

الأمن السوري نجح في اختبار كرة القدم، وحافظ على استمرار النشاط الرياضي في البلد المنهار، لتشهد ملاعب الدوري المحلي حضورا جماهيريا في كافة المباريات دون معوقات، إلا مصر تحت حكم العسكر لا تزل ترسب باقتدار في كافة الملفات.

 

 

Facebook Comments