كتب أحمدي البنهاوي:

نحو 180 ألفا شاهدوا فيديو يشرّح المنسق الأمني للاحتلال الصهيوني محمد دحلان، القيادي المفصول من حركة فتح، ومدير مؤامرات قصر الإمارات وولي عهده غير الأمين محمد بن زايد، بثه موقع “ميدان” التابع لموقع “الجزيرة” على شبكة الإنترنت، الذي رصد الجدل بشأن الأدوار والمهمّات التي يقوم بها دحلان بدعم من أبوظبي.. من فرقة الموت إلى ثروة المعبر.. ومن الاتهام بقتل عرفات إلى محاربة الثورات.. وغيرها كثير.

و”بطل” القصة لا يفتر، يتردد اسمه عند كل منعطف أو أزمة تعصف بالفلسطينيين أو حتى بأشقائهم العرب في مصر ثم ليبيا وأخيرًا بلدان الخليج.

فمنذ 2011 وتوطدت العلاقات بين مندوب (السي آي إيه) والصديق الشخصي لشمعون بيريز ونتنياهو محمد دحلان ومحمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، حيث يوصف بأنه “مبعوث الإمارات لأنظمة مكافحة الثورات”، ومستشارا أمنيا لابن زايد، كداعم أول للثورات المضادة عربيا، وهو دور استطاع بدعم كامل في الإمارات.

قائد الخريف ففي مصر اتضح تورط الإمارات في الانقلاب، من خلال الدعم المادي الإماراتي الضخم لحركة “تمرد” المعارضة عبر حساب بنكي يتحكم فيه بعض جنرالات الجيش الداعمين للانقلاب وعلى رأسهم السيسي، وهو ما ظهر في التسجيلات المسربة.

وتطورت العلاقة ليصبح دحلان -بناء على طلب من إثيوبيا وبتفويض من السيسي- على رأس وفد مصري وُكّل إليه مهمة الاتفاق مع السودان وإثيوبيا لحل لمشكلة سد النهضة، ثم توقيع مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 لوثيقة إعلان للمبادئ الأساسية لسد النهضة، والتي تتضمن موافقة الأطراف المعنية على استكمال بناء السد.

وأصبح دحلان هو المتحكم في فتح وإغلاق المعبر من خلال علاقته مع السيسي، وهو ما وضع قادة حماس أمام خيارين في محاولاتها لفضّ الحصار المفروض على أهالي القطاع: إما التفاوض مع عبّاس وإسرائيل من جهة، أو التفاوض مع مصر وهو ما يعني -ضمنيا- الجلوس إلى مائدة واحدة مع محمد دحلان.

صديق حفتر الصربي وكشفت التسريبات ذاتها عن تورط دحلان كمبعوث للإمارات في تعزيز الثورة المضادة في ليبيا، والتي تزعمها أحمد قذاف الدم ابن العقيد معمر القذافي، إضافة إلى دعم الجنرال خليفة حفتر، حيث مهد قادة الانقلاب في مصر سبيلا للقاء بين دحلان وقذاف الدم للتشاور فيما يخص الثورة في ليبيا.

لم يتوقف ارتباط دحلان عند الثورات المضادة في مصر وليبيا، فقد ظهر مرة أخرى في انقلاب تركيا الفاشل في يوليو 2015، حيث يُزعم أن دحلان قد دخل تركيا باسم مستعار قبيل الانقلاب، واجتمع بمجموعة من الشباب الأكراد والأتراك المعارضين لأردوغان، وناقش معهم السبل المتاحة لدعم حركة جديدة تحت اسم “تمرد” تُطالب بتنحي أردوغان عن السلطة.

ثم يأتي اسم دحلان على قائمة الداعمين لإخراج حماس من دائرة السلطة في غزة، والممولين أيضا للحركات المضادة لـحماس، ومن بينها حركة “تمرد غزة”، لكنه دور لم يستمر نتيجة لإحكام حماس سيطرتها على القطاع.

وارتبط دحلان بعلاقات وثيقة مع رئيس الوزراء الصربي ألكسندر فوسيتش، أهَّلتهُ مِن ناحية للحصول على جنسية الجبل الأسود عام 2013، ومن ناحية أخرى مثلت بداية للعلاقات الوثيقة أيضا التي ربطت فوسيتش بمحمد بن زايد، والتي وضعت حجر أساس بدأ على إثره نمو العلاقات بين البلدين منذ 2013.

الرنتيسي والبداية “الباب في الباب” هكذا كان يتحدث الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي عن دحلان حين اعتنت والدة عبدالعزيز بمحمد في صباه، في حين يقول عبدالعزيز نفسه -والذي يكبر محمدا بـ15 عاما- إنه قدّم العلاج للجار الصغير حين كان صبيا كطبيب للأطفال.

ولكنها لم تكن الذكرى الوحيدة، فقد استعاد عبدالعزيز ذكرياته السيئة أيضا في التسعينيات، حين أمر ياسر عرفات بتشديد القبضة الأمنية على حركة حماس فعذب عبد لعزيز الرنتيسي سجينا، ومثله آلاف المعتقلين من الحركة على يد جهاز الأمن الوقائي العرفاتي بقطاع غزة، الذي لم يكن يرأسه سوى الصبي الصغير يوما: محمد يوسف دحلان، رئيس الأمن الفلسطيني لاحقا.

دحلان بدأ تعليمه الجامعي في كلية التربية الرياضية في إحدى الجامعات المصرية، لكنه ما لبث أن تركها عائدا إلى غزة، حيث انتسب إلى الجامعة الإسلامية هناك -جامعة الأزهر حينها-، وشارك في تأسيس فرع الشبيبة الفتحاوية، الذراع التنظيمي والسياسي لحركة فتح حينها في القطاع، قبل أن يتم القبض عليه لانضمامه إليهم، ويُحكم عليه بخمسة أعوام قضاها في سجون الاحتلال ما بين 1981-1986.

تزُعم الاتهامات الموجهة إلى دحلان بـ”العمالة للاحتلال” أن الأمر بدأ من هذه السنوات التي قضاها في السجن، فنجد أنه أتقن العبرية في هذه السنوات، وخرج بعد ذلك ليتم ترحيله مباشرة إلى الأردن، ومنها إلى مصر ثم العراق، وليستقر به المقام نهاية في تونس حيث قيادات حركة التحرير الفلسطينية فتح بزعامة عرفات.

منسق الاحتلال تمثل الجزء الأكبر من الاتهامات الموجهة إلى الأمن الوقائي في بداياته بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، والعمل كـ “وكيل لجيش الاحتلال” في الأراضي الفلسطينية.

اتسعت قائمة الاتهامات الموجهة إلى دحلان مع تشكيل ما عُرف بـ”فرقة الموت”، وهي فرقة يُعتقد تشكيلها من مساجين ذوي محكومات عالية، أو ممن نالوا حكما بالإعدام، ليتولوا القيام بالعديد من عمليات شملت تصفية جسدية لبعض أعضاء الجماعات المعارضة للسلطة أو مساعدة تل أبيب على تنفيذها، كان أبرزها عملية اغتيال القيادي بحركة حماس محمود المبحوح في دبي عام 2010، باعتراف أنور شحيبر قائد فرق الموت.

عميل البيزنس وضع دحلان باعتباره مسؤول الأمن الوقائي منذ 94 مسؤولا عن المعابر الحدودية في غزة، 56 مليون دولار خحصصتها امريكا لتطوير البنية التحتية لمعبر كارني بين الفلسطينين والصهاينة.

كانت الثروة عنوان دحلان ومصدرها “الفساد والرشوة والتعاون مع المحتل وتلقي مساعدات أجنبية”ن من خلال حساب بنكي شخي له وصلت ثروته من غسيل الأموال وتمرير المقاومين إلى 120 مليون دولار منتصف عام 2005.

قتل عرفات اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000، ووضعت كلا من عرفات ودحلان في موقف حرج، فبينما جاء شرط “تقييد حماس والسيطرة عليها” على رأس قائمة شروط أوسلو، وهو ما عجز عنه عرفات بطبيعة الحال، وكذا أجهزته الأمنية وتعلل دحلان بـ “استبداد عرفات بالسلطة”.

ثم ظهر دحلان، وشعث، وعريقات، وقريع، وعبد ربه، وعصفور في مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية 2001 لإيجاد البديل الفعال، وقدم دحلان أوراق اعتماده حينها بـ20 ألف عنصر أمن وقائي يدينون له بالولاء، ما جعله أقوى الخمسة، خاصة بعلاقاته مع الاحتلال ومع الولايات المتحدة، حاملا “علامة السي آي أي”، وهي صفة منحها إياه أهالي غزة، نتيجة لإعلان واشنطن المتكرر بأن دحلان هو “رَجُلها” في الأراضي الفلسطينية.

ولم تنته الاحتجاجات سوى بوفاة عرفات نفسه أواخر 2004، وتولي أبومازن الرئاسة، ليسمح وجوده بانتخاب دحلان عام 2005 وزيرا للدولة للشؤون المدنية في حكومة أحمد قريع، ويدخل دحلان إلى المجلس التشريعي يناكف حماس ومقاعدها الـ76 مقعدا مقابل 43 لحركة فتح، ثم دب الخلافات بينه وبين عباس انتهت مهمته فلسطينيا وتحول لمهمة اقليمية.

دحلان.. من التآمر على المقاومة إلى التآمر على الثورات

Facebook Comments