لم يذهب السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي صفر اليدين إلى النمسا، فبالإضافة إلى ورقتي حماية سواحل أوروبا من الهجرة غير الشرعية، ومحاربة الإرهاب المحتمل وقتل آلاف المصريين، ظهرت ورقة ثالثة لا تقل أهمية عما سبق، وهى التمويل الأجنبي لجمعيات ومنظمات المجتمع المدني.

والتمويل الأجنبي- كما يقول الحقوقيون- ليس سُبة أو جريمة تستحق المداهمة والمصادرة بالشمع الأحمر والمحاكمة والسجن، لكن هذه هي الأحوال مع العسكر، وعلى ذلك وضعت أوروبا يدها في أيديهم وتعهدوا سويًّا مع الانقلاب.

ومن غير المعلوم كم من “أجولة أرزٍ” حصل عليه السفيه السيسي، عندما وطأت حوافره العاصمة النمساوية فيينا، لكن- وكما يقول العرب قديما- فإن “البَعرة تدل على البعير”، ومدحُ الديكتاتور يدل على تفاهمات وأطنان من اليورو دخلت خزائنه، فمن غير المعقول أن يشيد مستشار النمسا “سباستيان كورتس” بما وصفه بـ”الإصلاح الاقتصادي” الذي تشهده مصر تحت قيادة السفيه السيسى، ويزعم أن العسكر لديهم الكثير من الإمكانيات التى يمكن التعاون معهم خلالها، دون أن يحصل على مقابل من السفيه، ولو كان ذلك المقابل الإفراج عن المتهمين في قضية التمويل الأجنبي.

فتش وراء الزيارة

وبرأت محكمة للقضاء الشامخ، اليوم الخميس، 40 من العاملين بمنظمات غير حكومية، في إعادة محاكمتهم في قضية أحدثت توترًا في العلاقات مع الولايات المتحدة. وصدرت في عام 2013 أحكام بالسجن تتراوح بين سنة واحدة وخمس سنوات على 43 شخصا، من الولايات المتحدة وأوروبا ومصر ودول عربية أخرى، في تهم بينها إدارة منظمات غير حكومية دون المرور على أدراج وخزائن العسكر.

وكانت محكمة النقض قد ألغت، في أبريل، أحكام السجن الصادرة على 16 من العاملين في المنظمات غير الحكومية، وأمرت بإعادة محاكمتهم في القضية، ذلك هو المقابل ربما أو ما اتفق عليه كورتس والسفيه السيسي، جعل الأول يغازل الثاني ويمدحه رغم جرائمه بحق الشعب المصري، ويشدد على أن هناك اهتمامات مشتركة بين جنرالات الانقلاب والنمسا.

والنمسا هنا تنوب عن عموم أوروبا، مشيدًا بدور السفيه السيسي الذي تحول إلى “كلب حراسة” في حماية القارة العجوز من لجوء المضطهدين بسببها في بلادهم إليها عبر ما يسمى الهجرة غير الشرعية، موضحًا أن العسكر والاتحاد الأوروبي كان لديهما مباحثات جيدة ومكثفة في هذا الأمر، واستطاع السفيه السيسي أن يفي بالمهام التي من أجلها دعمت أوروبا انقلابه على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، ومنها الهجرة إلى أوروبا.

سيادة للبيع!

وتفجرت قضية التمويل الأجنبي في العام 2011 عقب اندلاع ثورة يناير، واتهمت فيها سلطات العسكر 43 ناشطا حقوقيا من مصر وأمريكا وألمانيا والنرويج ولبنان وفلسطين، بإنشاء جمعيات أهلية والحصول على تمويل أجنبي دون ترخيص، وكان من بين المتهمين سام آدم لحود، مدير مكتب المعهد الجمهوري الدولي في القاهرة، ونجل وزير النقل الأمريكي السابق راي لحود، وصموئيل لدمرز لحود، مدير المعهد الجمهوري الدولي بمصر.

ومن بين المتهمين أيضا، شيرين سيهاني، أمريكية من أصل هندي، وكرستيان أنجل، نرويجية، ويان إيريك سورت تشاك، نرويجي، وهانز كريس هيوليزنن، أمريكي، وجون جورج توماس تفييكس، “أمريكي” مدير تدريب الأحزاب بالمعهد الجمهوري، ووريدة خضر عبد الهادي محمد البرعي فلسطينية، وبوديمير ميليتش صربي الجنسية وهو مدير فرع المعهد الديمقراطي بالإسكندرية.

ووفقًا للتحقيقات التي أجرتها سلطات العسكر، حصل المعهد الجمهوري الدولي على 22 مليون دولار كتمويل لأنشطته في مصر، والمعهد الديمقراطي على 18 مليون دولار، وفريدوم هاوس على 4.4 مليون دولار، والمركز الدولي الأمريكي للصحفيين على 3 ملايين دولار، كتمويلات مقابل تنفيذهم لأنشطة اعتبرها العسكر تمس سيادة البلاد، تلك السيادة المزعومة التي لا يحق لأحد التنازل عنها إلا العسكر، خصوصا لو كان التنازل بمقابلٍ كما حدث في تيران وصنافير.

ويبدو أن هؤلاء الأربعين حظوظهم جيدة مقارنة بما حدث مع طالب الدكتوراه جوليو ريجيني، الذي قتلته سلطات الانقلاب في مصر، وكشفت مصادر أمنية إيطالية عن أن عناصر من المخابرات الحربية والشرطة تقف وراء خطفه وقتله خلال وجوده في القاهرة، إضافة إلى قيامهم بحملة تضليل بعد مقتله من خلال اتهام جهات ليست لها علاقة بالجريمة.

وريجيني (28 عامًا) طالب الدراسات العليا في جامعة كامبريدج البريطانية، كان يجري أبحاثا حول نقابات العمال المستقلة في مصر، واختفى يوم 25 يناير 2016، ثم ظهرت جثته بعد عشرة أيام من اختفائه وهي ملقاة على أحد الطرق الصحراوية وتظهر عليها علامات تعذيب.

Facebook Comments