حمَّل تجمع المهنيين السودانيين المجلس العسكري سلامة الثوار، وقال إن قوات المجلس العسكري أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق أحد الموكب بالعاصمة الخرطوم المتجه إلى ساحة الحرية.

وتوجّه التجمع بالنداء لجميع الثوار بتسيير المواكب والتوجه إلى ساحة الحرية، كما أكد أن الحق في التظاهر وتسيير المواكب حق مشروع.

وقال مشاركون في الموكب، الذي تجمّع في ساحة الحرية بالخرطوم وضم المئات من السودانيين، إن قوات الدعم السريع التي قمعت الموكب وتجنّب نداء "تجمع المهنيين" ذكرها واستبدلها بـ"قوات المجلس العسكري"، مما أوقع في نفوس الثوار أن يكون ذلك نتيجة التوافقات، والأخطر أن يكون اعترافًا ضمنيًّا بالدعم السريع.

واعتبر الثوار أن مشاركتهم هي لتأكيد حراستهم لحق دماء الشهداء واستمرار الثورة، والتأكيد على حكومة مدنية، وأن يكونوا ظهرًا للمفاوض، ورغم ذلك رأى محللون أن هذا الاتفاق تظل نقاط الخلاف فيه عالقة، وأنهم بعد ساعات لم يتوصلوا لاتفاق فقرروا أن يوقّعوا على ما أمامهم، فاقترحوا ما يمسى بـ"إعلان التوقيع السياسي" على الرغم من أن الاجتماع كان للتفاوض على مسودة الوثيقة الدستورية.

فيما قال الكاتب السوداني د. تاج السر عثمان: "أظهر المجلس العسكري خلال الفترة الأخيرة  ما يكفي للتشكيك في نواياه وارتهانه للخارج، ومع هذا فما تحقق في السودان من الاتفاق السياسي خطوة يمكن البناء عليها، مع اليقظة والحذر والجد في تحقيق أهداف ثورة الشعب".

كواليس الاتفاق

وكان من أبرز البنود التي أثارت الجدل وشابها الغموض، في توقيع العسكر مع الحرية والتغيير وثيقة اتفاق المرحلة الانتقالية، الأربعاء الماضي، نسبة التمثيل في المجلس التشريعي، ومن يأخذ الدور التشريعي إلى حين تشكيل المجلس.. الحكومة أم السيادي، ولجنة التحقيق في الاعتصام.. بند فضفاض للاستعانة بالدعم الإفريقي.

وكشفت "عربي بوست" عن أنه بعد 12 ساعة من التفاوض وقَّع الفرقاء بالأحرف الأولى على اتفاق سياسي يوضح مؤسسات الحكم ومهامها في الفترة الانتقالية التي تستمر ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.

حيث يوضح الاتفاق السياسي الذي يمثل حصيلة 50 يومًا من المحادثات، عددًا من النقاط التي اتفق عليها المجلس وقوى التغيير في اتفاق تقاسم السلطة، الذي تم التوصل إليه في الخامس من يوليو الجاري.

وبحسب الاتفاق، يتشكل المجلس السيادي من 11 عضوا، بينهم خمسة عسكريين يختارهم المجلس العسكري، وخمسة مدنيين يختارهم تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، بالإضافة إلى عضو مدني آخر يتفق عليه الجانبان.

ويحيل الاتفاق السياسي البتّ في بعض القضايا الخلافية على الإعلان الدستوري، الذي ينتظر أن يتم توقيعه يوم غدٍ الجمعة، بحسب ما أعلن الطرفان، ويتعلق الأمر بصلاحيات وسلطات مجلس السيادة ومجلس الوزراء.

وقالت مصادر مطلعة إنَّ الوسيطين الإفريقي والإثيوبي كانا مُصرين على عدم رفع المفاوضات، ما لم يخرج الطرفان باتفاق كامل حول الاتفاق السياسي.

نسبة التمثيل في المجلس التشريعي

أبرز نقاط الخلاف التي استغرقت وقتا طويلا من النقاش، تلك المعنية بالسلطة التشريعية، وموضوع نسبة تمثيل القوى السياسية في المجلس التشريعي الانتقالي في ظل تمسك طرفي التفاوض بموقفهما، حيث تمسكت قوى الحرية بنسبة 67% من عضوية المجلس.

النقطة الثانية تعلقت بالآلية التشريعية البديلة لحين تشكيل المجلس التشريعي خلال 90 يوماً، حيث أصرَّ العسكري على أن يقوم مجلس الوزراء بالتشريع، فيما يكون للمجلس السيادي حق إجازة القوانين، وهو ما يمنحه (فيتو) تجاه أي تشريع، بينما شدَّدت قوى الحرية والتغيير على أن يتم التشريع عبر غرفة مشتركة بين السيادي والحكومة.

وبعد جدل طويل تراجع المجلس العسكري ليتم التوافق على المادة 17 من الفصل الثالث، المعنية بالتشريع باللجوء لاجتماع مشترك بين السيادي ومجلس الوزراء، لممارسة السلطة التشريعية، على أن يرفع التشريع لمجلس السيادة للاعتماد والتوقيع، ويعتبر التشريع ساريا بعد مرور 15 يومًا من إيداعه لمجلس السيادة. وليس من الواضح ما الموقف إذا رفض المجلس التشريع.

وزيرا الدفاع والداخلية

وقال القيادي البارز في "قوى الإجماع الوطني" السودانية "صديق يوسف": إن قوى الحرية والتغيير قدَّمت تنازلاً غير متفق عليه بين مكوناتها، يتعلَّق بمنح المجلس العسكري الحق في تعيين وزيري الدفاع والداخلية، مشيرا إلى أن ذلك يعد تراجعًا عمَّا تم الاتفاق عليه، قبل الثالث من يونيو/حزيران الماضي.

وأشار صديق إلى أن وثيقة الاتفاق السياسي لم تحسم نسب المجلس التشريعي، وأرجأت نقاشها إلى ما بعد تشكيل الحكومة الانتقالية، مما يعني إبعاد قوى الحرية والتغيير عن النقاش بشأن المجلس التشريعي، ويجعله من مهام الحكومة المرتقبة.

فض اعتصام

وفيما يخص لجنة التحقيق في الاعتصام،  سعت قوى الحرية والتغيير لجعل لجنة التحقيق المستقلة في فضِّ اعتصام وزارة الدفاع، في 3 من يوليو 2019، وما سبقه ولحقه من أحداث تحت إشراف الاتحاد الإفريقي كخطوة وسطى، بعد تراجعها عن لجنة التحقيق الدولية.

إلا أنَّ المجلس العسكري سعى لقطع الطريق أمامها، قبل أن يوافق على استعانة اللجنة بالدعم الإفريقي إذا اقتضت الضرورة.

وارتدى حميدتي نائب المجلس العسكري، بحسب مصادر لـ"رويترز"، قناع العسكري المعتدل الحريص على تقريب وجهات النظر ومن يؤم المصلين لصلاة الفجر عقب نهاية الجلسات.

حتى إنه كان يقول لأحد أعضاء المجلس العسكري المتعنِّتين بالدَّارجة السودانية (مشيها، مشيها) أي دع تلك النقطة تمر.

ولعلّ النقطة الوحيدة التي فشل حميدتي في إجبار قادة المجلس العسكري على تمريرها، وقوى التغيير على التنازل عنها هي قضية النِّسب في المجلس التشريعي المقبل، ليضطر الطرفان إلى تضمين ضرورة مراجعتها في الفترة المقبلة، عقب الاتفاق على الإعلان الدستوري، وخلال فترة الثلاثة أشهر المقررة لتعيين المجلس التشريعي.

وجود سعودي

ووفقا لمعلومات موثَّقة حصل عليها «عربي بوست»، فإن التواجد الدبلوماسي الخارجي والعربي تحديدا كان حاضرا، إلى حين الوصول لاتفاق كامل، إذ ظلَّ السفير السعودي بالخرطوم "علي بن حسن" مرابطا داخل فندق كورنثيا طوال الليل وحتى صبيحة التوقيع، بل نقل مقر إقامته إلى الفندق بشكل شبه دائم، ودخل في اجتماعات مطولة مع الطرفين قبل بداية الجلسات، مشددا على استعداد المملكة العربية السعودية لتكون سندا للسودان.

وكان بصحبة السفير السعودي عددٌ من الدبلوماسيين الغربيين يدخلون في نقاشات مع الوسيطَيْن الإفريقي والإثيوبي، للاطمئنان على سير المفاوضات، فيما ظلَّ أعضاء الوساطة ينخرطون في حوارات فردية مع أعضاء الوفدين على انفراد عند تعثر الوصول إلى نتيجة في إحدى النقاط، فيما يعمد أعضاء الوفد للانزواء خارج ردهات الفندق لإجراء مكالمات هاتفية مطولة، على غرار الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري، الفريق شمس الدين كباشي، الذي كثيراً ما ظلَّ يستخدم الهاتف.

ضغوط أمريكية

وأشارت مصادر إلى أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان، دونالد بوث، الذي وصل الخرطوم الإثنين، والتقى رئيس المجلس العسكري عبدالفتاح البرهان، وقيادات من المعارضة، وأبلغ الطرفين بضرورة التوقيع، حيث تحدَّث مع العسكر بشأن مسألة الحصانة المطلقة الواردة في الاتفاق المقترح، وأنه لمس أنهم غير متمسكين بها.

ومن المنتظر أن يمكث بوث أياما في الخرطوم، ثم يتوجه بعد ذلك إلى الرياض لاستكمال المشاورات مع القيادة السعودية، بشأن كيفية دعم السودان خلال المرحلة المقبلة.

وتسعى الولايات المتحدة لإيجاد تسوية توافقية، تكون فيها أقرب لتصورات العسكر في الشق الخاص بالمسؤولية الأمنية، بناء على التخوفات السابقة، فيما تغلب رؤية قوى الحرية والتغيير في المسائل المدنية والسياسية.

من جانب آخر، ناقشت "بى بى سى عربي" السؤال: "هل يمكن الوثوق في اتفاق تقاسم السلطة مع المجلس العسكري؟" وأجابت على لسان خبراء بأن "المستقبل غالبا ما يبدو مجهولا في السودان ويميل دائما نحو هيمنة الجيش على السلطة، وهو مصير لا يرغب العديد في أن يتكرر، فالشعب السوداني يستحق الأفضل بدون شك، ويستحق أن ينال حريته في نهاية الأمر، وأن يرى حكومة مدنية ديمقراطية حقيقية تقود البلاد في القرن الحادي والعشرين."

Facebook Comments