في ظل إهمال حكومة الانقلاب للتعليم وعدم توفير مدارس ومعلمين ومناهج لإعداد الأجيال الجديدة تصاعدت ظاهرة الدروس الخصوصية التي تنفق عليها الأسر المصرية ما يتراوح بين 17 و 25 مليار جنيه سنويًا، وفي ظل غياب وزارة التعليم وتخليها عن دورها تحولت الدروس الخصوصية إلى مافيا تستنزف جيوب المصريين الذين يضطرون إلى توجيه ما يملكون من مال لتعليم أبنائهم على حساب لقمة العيش والاحتياجات الضرورية.

ورغم أن حكومة الانقلاب تعلن تجريم الدروس الخصوصية، ومعاقبة المدرس الذي يثبت تورطه في الدروس بالفصل من العمل، وفي حالة كونه من غير المنتسبين للوزارة يتم التقدم ببلاغ ضده للنائب العام واتخاذ الإجراءات القانونية حيال المركز الذى يعمل فيه إلا أنها تركت الحبل على الغارب لمافيا الدروس بسبب انشغالها بأشياء أخرى غير التعليم.

كانت وزارة التربية والتعليم بحكومة الانقلاب قد أعلنت من أجل استكمال الشو الإعلامي عن إعدادها مشروع قانون لتجريم الدروس الخصوصية ضمن آليات الوزارة للقضاء على تلك الظاهرة، ويفرض المشروع عقوبات مالية كبيرة والحبس للمراكز غير المصرح لها من الوزارة، للتعامل مع الطلاب من سن 6 سنوات إلى 18 سنة، والممارسين لمهنة التدريس بدون تصريح.

مافيا الدروس

يشار إلى أن مافيا الدروس الخصوصية تلجأ إلى وسائل كثيرة لفتح المراكز والسناتر منها إصدار تراخيص لإنشاء مراكز اللغات والحاسب الآلي، وتسمح وزارة التعليم بها لاعتبارها مراكز ثقافية بعيدة عن المناهج الدراسية، لكن يتم تحويلها فيما بعد لسنتر دروس خصوصية، والبعض الآخر يلجأ إلى وزارة التضامن الاجتماعي ويتقدم بطلب لترخيص جمعية خيرية تقدم خدمات تعليمية وتثقيفية وصحية للمواطنين بالمجان أو بأسعار زهيدة، ولكنهم أيضًا يقومون بتغيير نشاط الجمعية لسنتر للدروس الخصوصية.

فيما يلجأ البعض للتقدم إلى وزارة الأوقاف للحصول على ترخيص، لاستغلال بعض المساحات بالمساجد بنظام حق الانتفاع لمدة سنة واحدة لتقديم خدمات تحفيظ القرآن، أو حضانات، أو مكتبات إسلامية، لكن يتم مخالفة شروط التراخيص وتحويلها لسناتر للدروس الخصوصية.

تفاقم الظاهرة

من جانبه كشف المركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن “ظاهرة الدروس الخصوصية تفاقمت في الأعوام الماضية وأصبحت تشكل عبئا على الأسر المصرية”.

وقال المركز، وفقًا لآخر بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يحتل الإنفاق على الدروس الخصوصية لدى الأسر المصرية المرتبة الأولى حيث يزيد عن ثلث الأموال التي تصرفها الأسر على التعليم سنويا بنسبة تصل إلى 39.4٪، ويليه مباشرة الإنفاق على المصروفات والرسوم الدراسية بنسبة تصل إلى 31.8٪، والباقي يتم صرفه على الملابس والشنط المدرسية والكتب والأدوات الكتابية، ومصاريف الانتقالات والمصاريف التعليمية الأخرى.

وطالب حكومة الانقلاب قبل تجريم الدروس الخصوصية أو تشديد العقوبة بحل المشكلة الرئيسية وإصلاح منظومة التعليم ومعالجة السلبيات التي أدت إلى تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية وحل المشكلة من جذورها وإلا لن تتمكن حكومة الانقلاب من تطبيق القانون، وسيتم التحايل عليه ويتحول إلى حبر على ورق، خصوصا أنها ليست المرة الأولى التي تعد فيها وزارة التربية والتعليم مشروع قانون لتعديل قانون التعليم قبل الجامعي، والنص على تجريم الدروس الخصوصية.

كثافة الفصول

وأوضح أن “المنظومة التعليمية في مصر تعاني من مشاكل عديدة وعلى رأسها ارتفاع كثافة الطلاب في الفصول، فوفقا لإحصاءات وزارة التربية والتعليم، يبلغ متوسط كثافة الفصل في المرحلة الابتدائية في المدارس الحكومية 48.3 طالب، ويرتفع هذا المتوسط في القاهرة ليبلغ 53 طالبا وفي الإسكندرية إلى 57.5 طالب، ويصل متوسط كثافة الفصل في الجيزة إلى 64.3 طالب، علاوة على تدهور رواتب المعلمين وضعف التدريب والمناهج الدراسية التي تعتمد على الحفظ وتهالك مباني المدارس”.

وحدد المركز 6 إجراءات للنهوض بهذه المنظومة والقضاء على الدروس الخصوصية، تتمثل في خفض عدد الطلبة في الفصل الدراسي ليصل إلى 25 طالبا؛ حيث إن كثافة الفصل تؤثر على فهم الطالب لما يتلقاه، وعلى أداء المعلم حتى لو كانت كفاءته عالية، ويتطلب هذا بناء العديد من المدارس، وزيادة ميزانية التعليم في الموازنة العامة للدولة، وتعديل رواتب المعلمين وكافة العاملين وتطوير قدراتهم، وبناء وتطوير المدارس واستعادة دورها، وتطوير المناهج الدراسية والامتحانات والاعتماد على المشروعات والأنشطة والمشاركة للحث على التفكير بدلا من الحفظ، وربط التعليم بالتكنولوجيا الحديثة.

المدرسة

من جانبها أكد الدكتور محمد عبد العزيز، الأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس، أن الأزمة حلها في المدرسة، لافتا إلى أن أولياء الأمور والطلاب يذهبون إلى مراكز الدروس الخصوصية لأنهم لا يجدون نفس الجودة والخدمة في المدرسة.

وقال عبد العزيز فى تصريحات صحفية : لو تم تشديد الرقابة على هذه المراكز وإغلاقها فى الوقت الذى لازالت المدرسة لا تعطي ظهيرا علميا جيدا ، ستنتقل الدروس الخصوصية إلى البيوت، وسترتفع أسعارها أكثر وأكثر لأن عدد طلاب الدرس سيكون أقل بالمنزل.

وطالب الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي، وزارة التربية والتعليم بحكومة الانقلاب، بتوفير مرتبات جيدة للمعلمين تكفيهم شر الارتزاق من خلال الدروس الخصوصية، ومدرسة فعالة، وعملية تعليمية ناجحة وناجزة كما كانت قديما.

وشدد مغيث – في تصريحات صحفية – على ضرورة تطوير نمط الامتحان فبدلا من الحفظ وتذكر المعلومات يتم اللجوء الى تقويم مستمر على مجمل أعمال الطلاب خلال العام.

منظومة فاشلة

ويقول حمزة حشاش، نقيب المعلمين بقنا: إن المدرسة هي المنبع الأول لتلقي العلم وخلق الإبداع لدى الطالب وترتيب أفكاره، ولكن نظرًا لأن منظومة التعليم فاشلة ولا يوجد طلاب يذهبون الى المدرسة، وبدلا من ذلك يلجؤون إلى أخذ الدروس الخصوصية عند المعلم الذي يعانى أيضًا مثل الطالب من عدم تقاضي مرتب كافي يضمن له معيشة كريمة، مما يضطره إلى إعطاء دروس خصوصية للطلاب.

وطالب حشاش في تصريحات صحفية المسئولين بإيجاد حل سريع لإصلاح منظومة التعليم الفاشلة وإلغاء الدروس الخصوصية، حتى تُصبح المدرسة هي المنبع الأول والأخير لتعليم الطلاب.

Facebook Comments