بعد انفجار معهد الأورام الشهر الماضي وتسريب أطماع الإمارات في منطقة مصر القديمة، التي تشمل خارطة أبو السعود وسور مجرى العيون في فم الخليج وحتى مسجد عمرو بن العاص، يترقب أهالي جزيرة الوراق دورهم في لائحة التهجير القسري التي وضعها جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، لإخلاء مناطق في القاهرة بدعوى “جذب المستثمرين والسياح”، وذلك في أعقاب هدم منازل السكان في منطقة مثلث ماسبيرو التي دُمرت بالكامل.

وخططت سلطات الانقلاب إجلاء المنطقتين الواقعتين على النيل بالكامل، وتحولهما إلى مركز للسياحة أو الأعمال، رغم رفض الأهالي القاطع، الذين وُعدوا بتعويضات زهيدة جدا قد لا يحصلون عليها في حال “عدم إثبات” ملكيتهم لمنازلهم التي عاشوا فيها لأجيال.

يرهن كل شيء

وبعد انقلاب 30 يونيو 2013 باتت مصر أقرب إلى التوكيلات التجارية، إذ تأتي استجابة لإرادات خارجية، وتنفيذًا لمشاريع الـ(BOT)، وهي صيغة قديمة في المشروعات التمويلية التي تقوم على إعطاء المستثمر الخارجي امتياز بناء وتشغيل وإدارة واستثمار مشاريع استراتيجية مددا تصل إلى عشرات الأعوام، ويحصل على عوائدها وأرباحها، وحده، حتى يسترد ما أنفقه على إنشائها.

تتجلى هذه الآلية بشكل صارخ في حالة انقلاب السفيه السيسي الذي يرهن كل شيء إلى المستثمر الإماراتي، من البنية الأساسية للاقتصاد، إلى القرار السياسي، بحيث تبدو مصر معه أقرب إلى مؤسسةٍ ربحية تتحكم في إدارتها وتشغيلها أبوظبي، إلى أن تستعيد ما أنفقته لتمويل هدم النظام السياسي الشرعي فيها، وإقامة نظام انقلاب، بالمواصفات التي ترضي المتحكّم الأول في المنطقة الكيان الصهيوني، المشرف العام.

وتريد عصابة السفيه السيسي نزع الملكيات الخاصة في جزيرة الوراق لتحويلها إلى مشروع سكني استثماري بالتعاون مع شركاء إماراتيين، واضطر عددا من الأهالي تحت الضغوط اليومية التي تمارَس عليهم من جانب الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، إلى بيع أراضيهم ومنازلهم، والحصول على تعويض مادي لا يتناسب مع قيمتها، والتوقيع على عقود تنازل بذلك.

وأوضح عدد من الأهالي الذين اضطروا للتنازل عن أملاكهم على الجزيرة مقابل الحصول على تعويض مالي، أنّه لم يعد أمامهم طريق سوى ذلك، بعد حرمان سكان الجزيرة من الخدمات، والتضييق عليهم في حياتهم اليومية، لدفعهم للتنازل عن أملاكهم.

وتقع جزيرة الوراق في نيل محافظة الجيزة وتبلغ مساحتها حوالي 1400 فدان تقريباً. يحدّها من الشمال محافظة القليوبية ومن الشرق القاهرة ومن الجنوب الجيزة، في حين يبلغ عدد سكانها نحو 90 ألف نسمة.

وشهدت الجزيرة في يوليو 2017 احتجاجات واسعة، قابلتها قوات الشرطة والجيش، بردّ عنيف، أسفر عن مقتل مواطن من أبناء الجزيرة وإصابة المئات، الذين خرجوا محتجين على مخطط الانقلاب لطردهم من الجزيرة وإزالة عدد من المباني السكنية.

جيوب الفقراء

وبرزت أزمة هدم وإزالة مناطق بعينها في مدينتي القاهرة والجيزة، وإخلائها من سكانها الأصليين، مجددا مع إصرار سلطات الانقلاب على استكمال مسلسل الهدم والإجلاء بزعم تطوير تلك المناطق من خلال ضخ استثمارات أجنبية فيها.

وقالت حكومة الانقلاب إن هدفها هو تطوير مناطق جزيرة الوراق، ومثلث ماسبيرو، بالقاهرة، ونزلة السمان بهضبة الأهرامات، بالجيزة، في حين يقول الأهالي أن هذا التطوير يعصف بحقوق البسطاء والفقراء من المصريين.

وقال الخبير الاقتصادي، ‎أحمد ذكر الله: إن “ما يحدث هو نتيجة مطامع قديمة منذ عهد مبارك لمجموعة من الدول ورجال الأعمال حول السلطة”، موضحا أن “التوسع الحضري في القاهرة والجيزة أدى إلى وقوع تلك المناطق في قلب الكتلة السكنية؛ ونتيجة انعدام التخطيط العمراني وإهمال الدولة وفساد المحليات نمت تلك المناطق محرومة من أبسط الحقوق رغم وقوعها في أماكن أثرية وسياحية شديدة الأهمية”.

وأوضح أن “الدولة نجحت في إخراج المواطنين من مثلث ماسبيرو وفق إجراءات شبه قانونية استخدمت فيها القوة والتعويضات، فيما فشلت أمام إصرار أهالي جزيرة الوراق وأعدادهم الكبيرة، ولجأت إلى البلطجة في نزلة السمان بالهرم”.

واتهم ذكر الله حكومة الانقلاب بالتلاعب بالمواطنين، قائلا: “زعمت الدولة تحت يافطة القضاء على العشوائيات، والسطو على مشروع سكني جاهز، ونقل السكان إليه، وتسويق الأمر على أنه بداية القضاء عليها”.

وأشار إلى أنها “كانت البداية لأزمة الاستيلاء على القطع الثلاث الأكثر أهمية والمخصصة سلفا لدول محددة ومعروفة منذ سنوات تطمح لخلق تاريخ ومكانة لم توفرها تاريخها وجغرافيتها المحدودة”.

ورأى الخبير الاقتصادي أن “بيع هذه الأراضي سيدر مليارات الدولارات على خزينة الدولة المأزومة، ولكن السؤال المهم، هو لماذا دائما يكون علاج عجز الموازنة من جيوب الفقراء، ولماذا لا يتم التعامل بشفافية ووضوح، ووفق الأسعار السوقية مع المتضررين من هذه الإجراءات؟”.

Facebook Comments