وقّع المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى الحرية والتغيير، صباح اليوم الأربعاء، على اتفاق سياسي حول إدارة المرحلة الانتقالية في البلاد، واعتبر نائب رئيس المجلس العسكري “محمد حمدان دقلو” (حميدتي) أن هذه لحظة حاسمة وتاريخية لكل الشعب السوداني.

جاء هذا الإعلان بعد اجتماع بدأه وفدا المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، مساء أمس الثلاثاء، واستمر حتى الساعات الأولى من صباح اليوم بحضور الوسيطين الإفريقي والإثيوبي.

تأتي الجلسات بعد رفض قوى التغيير وتحفظها على بعض النقاط في مسودة الاتفاق التي سلمتها لهم الوساطة الإفريقية، الجمعة الماضي، وناقش الطرفان “الوثيقة الدستورية”، الخاصة بإدارة المرحلة الانتقالية والتي تم إعدادها “بواسطة لجنة قانونية مشتركة، تضم 3 أعضاء من كل طرف”.

وكان من المقرر أن يصادق المجلس العسكري وقوى التغيير، السبت الماضي، على مسودة الوثيقة، لكن قوى التغيير (قائدة الحراك الشعبي)، أعلنت تحفظها على نقاط بمسودة الاتفاق وصفتها بـ”الجوهرية”، وطلبت تأجيل الجلسة إلى الأحد، ثم الثلاثاء، لمزيد من التشاور بين مكونات قوى التغيير، التي تطالب بتسليم السلطة إلى المدنيين.

وفي 5 يوليو الجاري، أعلن المجلس العسكري و”قوى الحرية والتغيير” التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة خلال فترة انتقالية تقود إلى انتخابات.

ونص الاتفاق السياسي على تشكيل مجلس عسكري، يضم 5 عسكريين و6 مدنيين، ويرأس عسكري المجلس لمدة 21 شهرًا، ثم يرأسه مدني لمدة 18 شهرًا، كما يقضي الاتفاق بتشكيل حكومة كفاءات، على أن يتم لاحقًا الاتفاق على مجلس تشريعي يسن القوانين.

يشار إلى أن المجلس العسكري يتولى الحكم منذ أن عزلت قيادة الجيش، في 11 أبريل الماضي عمر البشير من الرئاسة (1989: 2019)، تحت وطأة احتجاجات شعبية، بدأت أواخر العام الماضي، تنديدًا بتردي الأوضاع الاقتصادية.

وثيقة الاتفاق

وكشف نص وثيقة الاتفاق السياسي بين قوى “الحرية والتغيير” والمجلس العسكري عن أن أحد أعضاء المجلس العسكري سيترأس مجلس السيادة لواحد وعشرين شهرًا، في حين يترأس أحد الأعضاء المدنيين من “قوى الحرية والتغيير” الثمانية عشر شهرًا المتبقية.

ووقع وثيقة الاتفاق من جانب المجلس العسكري نائب رئيس المجلس الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ومن جانب قوى ” الحرية والتغيير” عضو الوفد أحمد الربيع، بشهادة المبعوث الإفريقي محمد الحسن ولد لبات، والوسيط الإثيوبي محمود درير.

ويعتبر هذا الاتفاق هو الأول من نوعه الذي يتم التوقيع عليه منذ ثلاثة أشهر من عمر المفاوضات التي تلت سقوط نظام عمر البشير في 11 أبريل الماضي.

وجاء الاتفاق من حيث الشكل في خمس صفحات، تحت عنوان “الاتفاق السياسي لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم في الفترة الانتقالية، بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير”.

ويتضمن نص الاتفاق ستة فصول تتوزع على اثنين وعشرين بندًا، جاء الفصل الأول تحت عنوان “المبادئ المرشدة”، موزعة على أربعة بنود، أبرزها اتفاق الطرفين على “قدسية مبدأ السيادة الوطنية، ووحدة التراب السوداني والوحدة الوطنية للسودان بكافة تنوعاته، والتعامل بمبدأ الشراكة، ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان”.

مجلس السيادة

وتحدث الفصل الثاني، وهو الأهم، عن “الترتيبات الانتقالية”، ففيما يتعلق بمجلس السيادة تم الاتفاق على أن يتشكل المجلس من أحد عشر عضوًا، بواقع 5 أعضاء لكل طرف، ويضاف إلى العشرة أعضاء شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين.

وتقرر أن يترأس مجلس السيادة لواحد وعشرين شهرًا أحد أعضاء المجلس العسكري، ومن ثم يترأس أحد الأعضاء المدنيين الثمانية عشر شهرًا المتبقية، على أن يحدد مرسوم الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية صلاحيات ووظائف وسلطات مجلس السيادة.

وبخصوص مجلس الوزراء قرر نص الوثيقة أن تختار قوى “الحرية والتغيير” رئيس الوزراء، على أن يتشكل المجلس من رئيس وعدد من الوزراء لا يتجاوز العشرين من كفاءات وطنية مستقلة بالتشاور، يختارهم رئيس الوزراء من قائمة قوى “الحرية والتغيير” ويتم اعتمادهم من قبل مجلس السيادة، عدا وزير الدفاع والداخلية؛ حيث نصت الوثيقة على أن يعينهما رئيس الوزراء بعد اختيارهما من قبل الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة.

البرلمان

وفي الفصل الثالث، الذي حمل عنوان “المجلس التشريعي”، أكدت قوى “الحرية والتغيير” تمسكها بنسبة 67% من عضوية المجلس التشريعي، والنسبة المتبقية للقوى الأخرى غير الموقعة على إعلان “الحرية والتغيير”، على أن يتشكل المجلس في فترة لا تتجاوز التسعين يومًا من تاريخ تكوين مجلس السيادة.

وتقرر في الفصل الرابع تكوين لجنة تحقيق بعد تكوين الحكومة الانتقالية، وذلك لإجراء تحقيق في مجزرة 3 يونيو وغيرها من الأحداث، في حين أن الفصل الخامس تحدث عن مهام المرحلة الانتقالية، ومن أبرز مهامها “وضع السياسة والمنهج الفعال لتحقيق السلام الشامل في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بالتشاور مع كافة الحركات المسلحة، وتحقيق سلام عادل وشامل يوقف الحرب نهائيا بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها مع الوضع في الاعتبار التمييز الإيجابي”.

أما الفصل السادس فحمل عنوان “المساندة الإقليمية والدولية”.

عسكر مصر

من جانبه زعم نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، الفريق محمد حمدان دقلو، التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق السياسي بين المجلس وقوى “إعلان الحرية والتغيير” باللحظة التاريخية في حياة السودانيين ويفتح عهدا جديدا للشراكة بين الأطراف.

وقال في كلمته عقب التوقيع على الاتفاق اليوم: إن الاتفاق ثمرة جهد انتظره الشعب السوداني طويلا حتى يستشرف الحرية والعدالة.

وأضاف دقلو على طريقة مكر العسكر فى مصر: إننا لا يمكن أن ننسى تضحيات الشعب السوداني خلال الثورة، وإن المرأة السودانية لعبت دورا كبيرا في إحداث التغيير، وتابع: إن الثورة ستحدث التغيير المطلوب في السودان.

خيوط اللعبة

ووصف الكاتب الصحفي السوري أحمد موفق زيدان إصرار المجلس العسكري السوداني على رفض تسليم الحكم لإدارة مدنية تمهّد الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ويُبعد بذلك استئثار العسكر بالمفاصل الرئيسة للسياستين الخارجية والداخلية بأنه يشكك من أوله إلى آخره بكل التصريحات والبيانات التي أطلقها ويطلقها العسكر منذ البداية موضحا أن ذلك يشير إلى حاجة إقليمية ودولية في ضرورة تحكم العسكر والجنرالات تحديدًا بخيوط اللعبة الحاكمة في السودان، ولعل طرح قوى الحرية والتغيير فكرة استبعاد كل ضابط ما فوق رتبة العقيد يحمل لفتة مهمة وخطيرة، كون هذه القيادات قد استمرأت لعبة الحكم السياسية وأدمنت عليها، وبالتالي نزعها منه كمن ينزع الروح من الجسد.

وحذر من أن العسكر يريدون أن يُحملوا الشعوب مسئولية ما تئول إليه الأمور في كل من مصر، وسوريا، واليمن، والسودان، وغيرها، لا لشيء فقط إلا لأنها طالبت بحريتها واستقلالها الحقيقي، فليس هناك في الدستور السوداني ولا غيره ما يقول إن هناك مجلسا عسكريا، مشيرا إلى أن مجرد طرح الاسم مخالف لدستور يتشدقون بالعمل به، ويدعون الآخرين إلى اقتفائه، وحين يتم حشرهم بالزاوية يخرجون عليك بأن المعارضة متباينة ومختلفة.

وقال زيدان: طبعا بكل تأكيد، إن طبيعة الصرامة العسكرية التي ينبغي أن تكون في العسكر بساحات القتال غير طبيعة السياسيين البراجماتيين، وكل هذا يتنافى مع الديمقراطية والتعددية، فتباين وجهات النظر ظاهرة صحية لا يفهمها الاستبداد والعملاء.

درس وعبرة

وأضاف: ما فعله العسكر في سوريا، ومصر، واليمن، درس ينبغي أن يكون عبرة للمجلس العسكري السوداني، يوم أصرّ النظام الطائفي في سوريا على التحكم الأمني والعسكري بالبلد، فاستدعى احتلالات وميليشيات طائفية أجنبية كانت أول من أقصته هو عن المشهد ويتجلى ذلك في المفاوضات التي يجريها الروسي في كل الميادين والساحات، بالإضافة إلى تصريحاته وبياناته بما يتعلق بسوريا، وقد نجح الروسي حتى في إقصاء قوى إقليمية كان النظام الطائفي السوري قد استدعاها لقتل الشعب السوري وإبقائه في السلطة.

وتابع زيدان: نفس الأمر يتكرر في مصر؛ حيث جعل المجلس العسكري والنظام الانقلابي من بعده البلاد كلها رهينة للقوى الإقليمية والدولية، والتي تخشى من أي حكم مدني ديمقراطي يحجّم دورها ويعيد للشعب كرامته، لافتا إلى أن الأمر نفسه حصل في اليمن يوم أصر الرئيس اليمني السابق علي عبد الله الصالح على التمسك بالدولة العميقة فتحالف مع خصومه وخصوم الثورة، وجلب بطريقة أو بأخرى تدخلات خارجية لا يزال الشعب اليمني يدفع ثمنها.

وأكد أن رحيل المجلس العسكري السوداني وعودة العسكر إلى ثكناتهم ليس مطلبا سودانيا فحسب، بل مطلب الربيع العربي وثوراته التي نادى بها منذ اليوم الأول، وإن فرط حبة من مسبحة المشهد العسكري العربي هو فرط للمسبحة كلها، موضحا أن تحجيم الدور العسكر الإقليمي والدولي في بلادنا وثوراتنا خطوة لها ما بعدها في تشجيع أبناء الربيع العربي في مناطق أخرى، وتيئيس أبناء الثورات المضادة من عبثهم ولهثهم وراء سراب زائل، في ظل صحوة الشعوب وتصميمها على انتزاع حقوقها.

Facebook Comments