هناك شبه إجماع بين كل الخبراء والمحللين المنصفين والمحايدين، أن الأوضاع الراهنة في مصر في ظل حكم الجنرال الدموي عبد الفتاح السيسي ونظام عسكر 30 يونيو غير قابلة للاستمرار، في ظل حالة الارتباك والجنون التي تدار بها البلاد منذ انقلاب 3 يوليو 2013م.

يعزز من هذا التصور حالة الفوضى التي تدار بها البلاد ومؤشرات صراع الأجهزة الذي طفا على السطح مؤخرا، لا سيما بعد حادث الواحات، في أكتوبر الماضي، الذي أسفر عن مقتل 18 من ضباط الشرطة في كمين أعده مسلحون بكفاءة وخبرة عالية، وما ترتب على ذلك من إقالة رئيس الأركان محمود حجازي وعدد من قيادات وزارة الداخلية.

وجاء بعد ذلك حادث مسجد الروضة الإرهابي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 300 مصل أثناء صلاة الجمعة، ثم استهداف طائرة كانت تقل وزير الدفاع صدقي صبحي، ووزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، لتؤكد أن ثمة اختراقات على مستوى كبير للأجهزة الأمنية.

وجاءت الضغوط التي مورست على الفريق أحمد شفيق من أجل إبعاده عن الترشح أمام الجنرال السيسي، ثم اعتقال الفريق سامي عنان رئيس الأركان الأسبق، والذي تجرأ وأعلن نيته الترشح أمام السيسي، وما أعقب ذلك من إقالة رئيس جهاز المخابرات خالد فوزي، ثم الدفع بموسى مصطفى موسى للترشح في مشهد مهين، كل هذه الأحداث تدفع الشعب إلى اليأس المفضي إلى الانفجار.

القمع شرارة الثورة

وفي محاولة لإبادة الحماس الثوري، خلق السيسي- عن غير قصد- حماسًا أكثر تجاه الثورة، وكل ما يتبقى فقط هو الضغط زناد الثورة. فلقد كان مقتل خالد سعيد في عام 2010 حافزا كافيا لاندلاع شرارة الثورة. وقد يثير قرض صندوق النقد الدولي انفجارات جديدة حيث سيكون هناك مزيد من الارتفاع في الأسعار، وليس هناك شبكة أمان اجتماعية لمساعدة الملايين على تحمل الغلاء.

وقد يكون الزناد من خلال إحدى الحوادث الكثيرة التي تنفذها الشرطة المصرية الفاسدة، التي اعتادت قتل المصريين الأبرياء بدم بارد، كما حدث في نوفمبر الماضي. وكما أن نظام مبارك قلل من شأن المصريين في عام 2011، فإن السيسي ومعظم أعضاء فريقه غير المؤهلين يتجرعون الغطرسة ويرون أن تلك الاحتمالات محدودة.

مخاطر اليأس السياسي

ويرى الكاتب والمحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور خليل العناني، في مقاله المنشور بالعربي الجديد يوم 26 يناير 2018، بعنوان “مخاطر اليأس السياسي في مصر”، أننا «إزاء تحوّل نوعي في ديناميات المجال السياسي في مصر، وهو ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة في الفترة المقبلة».

ويعلق العناني على الأوضاع الراهنة بأنها تدفع الجميع باتجاه حالةٍ من اليأس السياسي التام، بحيث يتراجع أي شخص عن التفكير في التغيير، وذلك مهما كان تاريخه ومنصبه وعلاقاته الداخلية والخارجية. أي أننا إزاء انتقالٍ من سلطوية تنافسية إلى سلطوية شمولية، تريد الهيمنة على كل شيء، وتحطيم كل من يقترب منها، أو يحاول منافستها بجدية.

ويحذر عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة الشروق اليومية، في مقاله المنشور يوم الأحد 28 يناير 2018 بعنوان “احذورا انسحاب الشباب نهائيا”، من حالة الانسداد السياسي.

ويعلق حسين على قرار عدد من شباب حملة خالد علي سحب توكيلاتهم بعد اعتقال عنان، بناء على ضغوط من أسرهم بأن «إقدام هؤلاء على الانسحاب ومحاولة استرداد توكيلاتهم لهما تداعيات خطيرة للغاية. هناك احتمالات كثيرة لهم، إما أن ينضموا إلى حزب الكنبة، «ويشتروا دماغهم أو يكبروها»، وهناك احتمال أن يكفروا بالعملية السياسية برمتها، واحتمال أسوأ أن يتطرفوا بعد أن سلكوا الطريق المشروع والقانونى وصدموا صدمة كبيرة».

وهو تحليل دقيق لو طبقه رئيس تحرير الشروق على الحالة الإسلامية وكيف حازت ثقة الشعب، ثم تم الانقلاب عليها بقوة السلاح، لكان منصفا إلى حد بعيد، ولأدرك أن انقلاب 3 يوليو هو سبب كل هذا الخراب، لكنه للأسف يتمادى في دعمه للديكتاتور المستبد ونظامه القمعي، حتى وإن انتقد بعض الممارسات.

«3» سيناريوهات مرعبة

السيناريو الأول: انقلاب ضد السيسي

ليس كل مخيم السيسي نائمًا في عجلة القيادة، ويدرك البعض أن السيسي يضر بالأمن القومي، وأنه يضر بالمصريين عموما، بل إن مصالح النخبة التجارية تتضارب مع مصالح الجيش الذي يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد، فمثلما فعل السيسي ضد مرسي والإخوان في صمت، فمن الممكن تماما لأسباب كثيرة يتحرك البعض الآخر ضد السيسي.

وعلى النقيض من الثورة، فإن الانقلاب أوجد الكثير من مظاهر الديكتاتورية الاستبدادية، لكن السيسي ليس كمرسي، وشعوره بجنون العظمة والتحالفات المختلفة التي يدخل فيها من شأنه أن يؤدي إلى رحيله بالدم.

وإجراءات السيسي تؤكد رعبه من هذا السيناريو، فقد أطاح برئيس الأركان رغم أنه صهره، كما اعتقل 23 من قيادات الجيش مؤخرا بعد اعتقال الفريق عنان، وأطاح برئيس جهاز المخابرات اللواء خالد فوزي وعين مكانه رئيس مكتبه اللواء عباس كامل، كما أطاح بقيادات كبرى بوزارة الداخلية، ولا يتبقى من كبار الجنرالات الذين شاركوه جريمة الانقلاب إلا صدقي صبحي وممدوح شاهين ومحمد العصار.

السيناريو الثاني: احتجاجات واسعة

كثير من الرافضين لسيناريو 2011 يجادلون بأن المعارضة مكسورة جدًا، وأن المواطنين مرهقون جدا ولا يمكنهم الوقوف في وجه حكم صارخ بقيادة السيسي، لكن المعارضة يمكن أن تتعافى، خاصة أنه بينما اشترى السيسي أسلحة بمليارات الدولارات، ارتفع عدد المصريين الفقراء.

وقبل عدة شهور فقط، كان المصريون في الشوارع يصرخون “نريد الخبز”، وقد أظهر الغضب المتزايد أن رئيس الأمن لا يستطيع تأمين احتياجات الوطن أو استقراره.

السيناريو الثالث: على خطى سوريا

إن عدم القدرة على الاستمرار في إجراء نقاشات متحضرة مع المعسكرات السياسية المعارضة، أمر محوري في السيناريو الثالث، وربما الأكثر خطورة. فمجرد تشغيل التلفزيون المصري أو الراديو أو مطالعة وسائل التواصل الاجتماعي تجد انقسامًا واسعًا في الأمة.

أنصار السيسي يرفضون استخدام الفروق الدقيقة لفهم المعارضة المختلفة بين المصريين أنفسهم. أما الذين يعارضون المعارضة فيتعرضون لعنف عاطفي ولفظي في إدانة معسكر السيسي.

ولا يزال أنصار الاستبداد العسكري سواء كانوا من أنصار نظام مبارك أو تابعين لقوى وأحزاب علمانية، مقتنعين بأن الجيش سيحميهم مما يسمونه “الحكم الإسلامي”، في إشارة إلى الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ويرفض هؤلاء المشاركة في مظاهرات تستهدف السيسي ونظام 30 يونيو. لكن مؤشرات كثيرة تدفع هؤلاء إلى الانضمام لمعسكر الثورة.

Facebook Comments