وقع المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى “إعلان الحرية والتغيير” اليوم بالأحرف الأولى، على وثيقة الاتفاق السياسي بشأن ترتيبات وهياكل الحكم خلال الفترة الانتقالية المحددة بثلاث سنوات، في حين تم تأجيل التوقيع على الوثيقة الدستورية إلى يوم الجمعة.

وهذا الاتفاق هو الأول من نوعه الذي يتم التوقيع عليه منذ ثلاثة أشهر من عمر المفاوضات التي تلت سقوط نظام عمر البشير في 11 إبريل الماضي.

ويفتح التوقيع على الاتفاق المجال امام حوار سياسي قد يطول لتجنيب البلاد تصعيدا مسلحا من قبل العسكريين..

كما أن الاتفاق يسهل الخطوة الثانية الخاصة بالمصادقة على دستور الفترة الانتقالية في السودان..

ووقع وثيقة الاتفاق من جانب المجلس العسكري نائب رئيس المجلس، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ومن جانب قوى “إعلان الحرية والتغيير” عضو الوفد أحمد الربيع.

وينص الاتفاق الموقع على إنشاء مجلس للسيادة مناصفة بواقع 5 أعضاء لكل طرف، إضافة لمجلس وزراء تشكله قوى “إعلان الحرية والتغيير”، كما ينص الإعلان عن تأليف مجلس تشريعي بعد 3 أشهر تحصل بموجبه “الحرية والتغيير” على ثلثي الأعضاء، وأن تترك النسبة المتبقية لبقية القوى السياسية.

وأجل الطرفان مناقشة وثيقة الإعلان الدستوري الذي يمثل عصب الخلاف بين الطرفين بعد جملة من الملاحظات التي طرحتها قوى “الحرية والتغيير”، سيما موضوع حصانات المجلس السيادي وصلاحياته و”تغولها”، حسب “الحرية والتغيير”، على صلاحيات مجلس الوزراء.

وبدا لافتا خلال جلسة التفاوض التي بدأت مساء أمس واستمرت لأكثر من 12 ساعة، غياب كتلة قوى “الإجماع الوطني”، أحد مكونات “الحرية والتغيير” عن الجلسة، ما يؤشر إلى وجود تباين في وجهات النظر داخل “الحرية والتغيير”.

وتتكون قوى الإجماع الوطني من نحو 17 حزباً في مقدمتها “الحزب الشيوعي” و”حزب البعث” و”الحزب الناصري”.

ازمات وكوارث

ويكمن في نفاصيل الاتفاق ، وفق محللين ومراقبين للشأن السوداني، ازمات وكوارث منها؛ بقاء المجلس العسكري عامين في السلطة ليستمر القرار السوداني مرتهنا لدى ولي عهد أبو ظبي  محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

كما أن التنازلات التي قدمتها “قوى الحرية والتغيير” تمت مجانا مثل تسليم رئاسة المجلس السيادي للعسكر لمدة عامين متتاليين، وإسقاطها مطلبها بغلبة المدنيين على «العسكر» في تشكيلة المجلس، والتراجع عن شرط محاسبة المسئولين عن القتل الجماعي في شوارع الخرطوم.

كما أن الاتفاق يعطي فرصة للمجلس العسكري, خاصة حميدتي نائب رئيس المجلس وميليشيات “الدعم السريع” للإفلات من المحاسبة في جريمة فض الاعتصام, وقتل الأبرياء وتعذيب المعتصمين؛ فالدولة العميقة كفيلة بإطالة زمن التحقيق حتى تموت القضية, وتتم تبرئة الجناة.

وبمقتضى الاتفاق، فشلت “قوى الحرية والتغيير” في استثمار التأييد الشعبي لها, والذي تجلى في الاستجابة الكبيرة للعصيان المدني, وكذلك المليونية الحاشدة في 30 يونيو2019, وقد كان ممكنا أن تحذو حذو الجزائر ـ الناجحة  حتى الآن ـ  باستمرار التظاهر للضغط على العسكر لتحقيق مطالب الثورة والوصول إلى حكم مدني.

انقلاب العسكر

وكذلك، فان عدم توسيع المشاركة في الاتفاق؛ ما يجعله يقصي قوى وأحزابا سياسية أخرى, وبذلك تكون قد ضاعت فرصة أكيدة للتوافق الوطني في مواجهة المجلس العسكري, والأخطر أن ذلك قد يثير اعتراض هذه القوى والأحزاب في احتجاجات مستقبلية, تنذر بعرقلة التحرك إلى الأمام.

ومن ضمن الاشكاليات غياب ضمان عدم انقلاب العسكر على أهداف الثورة؛ إذ أن بقاءهم الطويل في السلطة (بغطاء مدني) يعطيهم الفرصة كاملة للالتفاف على الثورة, والعمل على تفكيك وحدتها، وخلق النزاعات داخلها، وتقريب بعضها وإقصاء بعضها الآخر، واختلاق المبررات والذرائع لتصفية قوى الثورة الواحدة تلو الأخرى, وعندما يهدأ الشارع السوداني, ويعود الناس إلى حياتهم اليومية العادية, ويتراجع اهتمام العالم بالمسألة السودانية، سيخلو الجو للعسكر، ويبدأون في تنفيذ خطتهم.

كما أنه ليس من المستبعد أن ينقلب عسكر السودان على الاتفاق, كما سبق أن انقلب زملاؤهم عسكر مصر على كل التعهدات التي قطعوها على أنفسهم, بأنهم لا يطمعون في الحكم, وكانت النتيجة صادمة فيما بعد لمن صدقهم, ولذلك فإنه رغم وعود المجلس العسكري السوداني إلا أنه لم يثبت حتى الآن إمكانية الوفاء بهذه الوعود, أو أنهم سائرون على خطى فريد عصره الراحل «سوار الذهب»، بل إن قدوتهم في ذلك عسكر مصر, وبنفس الراعي الإقليمي للثورات المضادة السعودية والإمارات ومعهما العدو الصهيوني.

Facebook Comments