حذر خبراء وأطباء من أن نظام التأمين الصحي الشامل يستهدف “خصخصة” المنظومة الصحية، من خلال بيع المستشفيات الحكومية غير المؤهلة للمنظومة الجديدة، وتسعير الخدمات العلاجية بشكل لا يتناسب مع دخول المواطنين .

وأكدوا أن شبهات الفساد تلاحق المنظومة منذ الإعلان عنها، في ضوء استحواذ شركة إماراتية على عدد كبير من المستشفيات الحكومية والخاصة.

وقالوا إن النظام الجديد يُلقي بأعباء كبيرة على الأُسر محدودة الدخل، من خلال توسّعه في إخضاع الدخول للاشتراكات التأمينية، خاصة وأن اشتراكات الطلبة سترتفع بقوة من مبلغ رمزي سنوي لا يتجاوز  4 جنيهات حاليًا، إلى ما يساوي 0.75% من دخل رب الأسرة.

كان قائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي قد زعم، خلال افتتاح مشروعات الفنكوش في محافظة بورسعيد، إنفاق نحو 4 تريليونات جنيه خلال الخمس سنوات الماضية، على مشروعات البنية التحتية فى قطاع الصحة.

وشدد على أهمية التزام المواطنين بسداد اشتراك التأمين الصحي الشامل المقدر بنسبة 4 في المائة من الأجر الشهري، محذرًا من شائعات متداولة عبر مواقع التواصل حول المنظومة التي بدأ العمل بها في 5 محافظات كمرحلة أولى.

وقال السيسي: إن المنظومة الجديدة تعتمد على دفع الغني والفقير الاشتراك، زاعما أن الدولة ملتزمة بتحمل مسئولياتها إزاء المنظومة الجديدة، ولكن يجب على المواطنين التعاون معها وتحمل مسئولياتهم لإنجاحها .

وتابع السيسي أن المتوسط العام لتكلفة العلاج المقدم من الدولة للمواطن يبلغ 180 جنيها سنويا، وأن هذا الرقم سيزيد إلى 210 جنيهات للفرد الواحد خلال الفترة المقبلة .

يشار إلى أنَّ المستشفيات التابعة لحكومة الانقلاب تعاني من نقص حاد في عدد الأطباء؛ بما يجعل المرضى لا يحصلون على الخدمة الصحية المطلوبة، وبالتالي يواجهون الموت ويُرجع البعض العجز إلى عدة أسباب؛ منها تطفيش الأطباء من جانب وزارة الصحة بحكومة الانقلاب، وتدني الرواتب بصورة لا يشهدها أي بلد في العالم، وهذا دفع الأطباء إلى الاستقالة والهجرة إلى الخارج أو ممارسة العمل الحر داخل مصر.

من جهتها، أبدت منظمات حقوقية مصرية تخوفها من تداعيات تطبيق قانون التأمين الصحي الجديد، باعتبار أنّه يمهّد لخصخصة خدمات التأمين على صحة المصريين، من خلال تسليم قطاع الصحة للشركات الخاصة، بما يسهم في تحميل الفقراء مزيدا من الأعباء، كون النظام الجديد لا يعتمد إلا على مستشفيات عالية الجودة، علما أنّ المستشفيات الحكومية هي الأقلّ جودة في المنظومة الصحية.

رواتب ضعيفة

يقول أحمد سعد، طبيب بإحدى مستشفيات وزارة الصحة: “قبل أن يلام الطبيب لا بد أن تلام المنظومة بأكملها”، متسائلا: “كيف لطبيب أن ينفق على أسرته المكونة من زوجة وطفلين براتب شهري لا يتجاوز 3000 جنيه وهو الذي قضى حياته كلها متفوقًا علميًا؟! .

وأضاف سعد، فى تصريحات صحفية، أن معظم الأطباء- خاصة الخريجين الجدد منهم- يبحثون عن السفر مع انتهاء فترة التكليف (عام)، مشيرًا إلى أن أقل راتب قد يحصل عليه الطبيب في دول الخليج لا سيما السعودية 10 أضعاف ما يحصل عليه في مصر، هذا بخلاف عمولته والتأمين الصحي الجيد والحياة المرفهة.

وأضاف: “أنا سافرت للعمل بالرياض قبل 10 سنوات تقريبًا، حينها كنت ممارسا عاما في وزارة الصحة، وكان راتبي في هذا التوقيت 250 جنيهًا، التحقت بأحد المستوصفات في العاصمة السعودية براتب 6 آلاف ريال، ومع مرور الوقت حصلت على الماجستير ثم الدكتوراه، وبلغ راتبي اليوم 17 ألف ريال، أي ما يعني 76 ألف جنيه مصري، هذا في الوقت الذي يحصل زميلي في مستشفى الزقازيق العام على 3500 جنيه، متسائلًا: “هل هذا معقول؟”.

المنظومة بأكملها

فيما حمّل الطبيب شاكر محمود المنظومة بأكملها مسئولية ما وصلت إليه الأحوال الآن، متسائلًا: هل من المنطق أن يكون بدل العدوى للطبيب- الذي يحتك كل يوم بأمراض معدية لا تعد ولا تحصى- لا يتجاوز 10 جنيهات في الوقت الذي يحصل غيره على 3000 جنيه وهو جالس على مكتبه؟”.

وقال: “الأمر لم يقف عند حاجز الرواتب الهزيلة وفقط، حتى المظلة التأمينية تعاني من خلل”، لافتًا إلى أن السنوات الأخيرة على وجه التحديد شهدت تعديات غير مسبوقة على الأطباء من الأهالي والبلطجية، في ظل حالة الخصومة الواضحة بين الوزارة ممثلة عن حكومة الانقلاب، ونقابة الأطباء التي تطالب بحق أبنائها في حياة كريمة وتوفير المناخ الملائم لممارسة عملهم.

وكشف محمود، في تصريحات صحفية، عن أنه خلال الأعوام الأربعة الأخيرة على وجه التحديد زادت معدلات استقالات الأطباء بصورة غير مسبوقة، خاصة بعد قرار تعويم الجنيه الذي أغرى الكثيرين بالسفر بعدما دخلت الأسعار في نفق مظلم مقارنة بالسقوط المدوي للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية.

وأكد أنه خلال عام واحد فقط تقدم أكثر من 5 أطباء أصدقاء له باستقالتهم من وظائفهم الحكومية، وذلك بعد تعنت الإدارة في السماح لهم بالسفر نظرًا للعجز في بعض الأماكن، ما دفعهم للتخلي عن حلمهم الوظيفي من أجل فرص عمل بالخارج، وتابع “كلها عشر سنوات ويرجعوا يفتحوا عيادة بعد ما يكونوا كونوا نفسهم بشكل كبير ما يغنيهم عن الوظيفة الحكومية والمعاش وخلافه”.

لائحة جديدة

وطالب سعد حسنين، المدير العام الأسبق بوزارة الصحة بإعادة النظر في اللائحة المعمول بها داخل وزارة الصحة، بدءًا من أوامر التكليف مرورًا بالرواتب والحوافز وصولًا إلى توفير المناخ الملائم لعمل الطبيب”، لافتًا إلى أن مشكلة الأطباء والمستشفيات أكبر من مجرد أجور ورواتب.

وحذر حسنين، في تصريحات صحفية، من أن الأزمة التي تحياها المنظومة الصحية في مصر تعود إلى أكثر من عشرين عامًا، حين كان ينظر للطبيب على أنه واحد من أقل الدرجات الوظيفية في السلم الإداري مقارنة بغيره من أهل الحظوة الأقل علمًا والأكثر مالًا.

وأوضح أنه على مدار السنوات الماضية بذل الأطباء جهودًا حثيثة لتحسين أوضاعهم عبر حزمة من التشريعات، لكن معظمها باءت بالفشل، وهو ما دفع الكثير إلى الكفر بالمهنة أو ما يسمونه الآن إعلاميًا “خدمة الوطن”، وبات كل يبحث عن مصلحته الخاصة، فكانت الهجرة والسفر للخارج البديل الأنسب.

وأشار حسنين إلى أنه في البداية كانت الدولة تفتح أبوابها لكل من يفكر بالسفر، لكن مع مرور الوقت بدأت الأزمة تكبر يومًا بعد الآخر، حتى وصلت نسبة العجز إلى أكثر من 30%، وهو ما يعني أن المستشفيات والمراكز الصحية والوحدات وملاحقها فقدت 30% من كوادرها البشرية من الأطباء، هذا في الوقت الذي يتزايد فيه معدل الإقبال على تلك الأماكن، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي دفعت الكثيرين إلى العلاج عبر منصات الجهات الحكومية بعدما باتت المراكز الخاصة حكرًا على أصحاب الأموال والنفوذ.

وشدد على ضرورة الإسراع في علاج الأزمة من جذورها، في محاولة لإحياء ثقة الأطباء في منظومة الصحة، وتوفير البيئة المناسبة لعودتهم، وإلا ستكون النتائج كارثية، وحينها سيكون الباب مفتوحًا لأنواع أخرى من العلاجات التي تأتي في معظمها بعيدة تمامًا عن النظريات العلمية الموثوق فيها.

Facebook Comments