ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، فمنذ سنوات عديدة تورطت القيادات الأمنية سواء من جيش مبارك والسيسي أو من قيادات الداخلية في الكثير من القضايا والجرائم الأخلاقية والجنائية التي يعاقب عليها القانون، وهو فساد كبير عبّر عنه الفنان محمد شومان في فيلم “واحد من الناس”، حينما أعدم الحِرز وقطع محضر الضبط لأحد تجار المخدرات مقابل “أرنب” مليون جنيه.

وقبل أيام، كشفت وسائل إعلام عن لقاء جمع بين محمود السيسي وأكبر تاجر مخدرات بسيناء، ثبت تورط ابن السيسي في تهريب الهيروين إلى مصر بعلم السيسي، وهو ما لا يمكن إنكاره بشهادات أهالي سيناء الذين يعلمون تجار المخدرات الذين تمر إليهم الشحنات من المخدرات عبر لواءات جيش وشرطة ومخابرات.

أمس الأربعاء، انفرد موقع “عربي21” بنشر عدد من الوثائق لقضية تورطت فيها قيادات أمنية كبرى وتستر عليها القضاء ووزارة الداخلية.

القضية تورطت فيها قيادات أمنية كبرى، وأدانت التحريات الأمنية المتهمين، وتدخلت وزارة الداخلية للتستر على “الجريمة”.

وتضمنت الوثائق كشفا بأسماء 66 شرطيا بينهم قيادات أمنية كبرى وضباط شرطة متورطون في القضية، وحصلت القيادات الأمنية المتورطة على آلاف الجنيهات أسبوعيًا من “تجار المخدرات” لتوفير الحماية لهم، وجاء مدير مكتب مكافحة المخدرات بالقاهرة على رأس المتورطين.

وكشفت الوثائق عن 6 أدلة أكدها الضابط مجري التحريات بعد اتهامه للأمن العام ومباحث القاهرة و”مباحث الأميرية” بالتواطؤ مع “تجار المخدرات”. والضابط الذي كشف وقائع القضية وأجرى التحريات فيها تم نقله إلى مديرية “كفر الشيخ” كعقاب له.

تفاصيل فضيحة داخلية السيسي

طالت القضية قيادات كبرى بوزارة الداخلية المصرية، في مقدمتهم مدير مكتب مكافحة المخدرات بمديرية أمن القاهرة.

ومرت القضية بعدة مراحل، بداية من تورط القيادات الأمنية مع تجار مخدرات، ثم جاءت التحريات الأمنية لتؤكد تورطهم في القضية، بل واعترافات شرطيين ومتهمين على القيادات الأمنية، ووجود تسجيل بالاعترافات قام بها مساعد وزير الداخلية لقطاع مكافحة المخدرات، ليؤكد صحة التحريات، مؤكدا أنه سلّم تسجيلات للمختص.

ثم بدأ التلاعب في القضية وإبعاد مجري التحريات؛ فقد تم نقل الضابط الذي اكتشف الواقعة إلى مديرية أمن محافظة كفر الشيخ عقابا له، ثم إخفاء التسجيلات، ثم صدور تحريات من الأمن العام جاء فيها عدم الوصول إلى ثبوت أو نفي تورط القيادات الأمنية، كما ورد في التحريات الأمنية التي أجريت في البداية.

وتمت إدانة عدد من الشرطيين (أمناء وأفراد شرطة) فقط ليكونوا (كبش فداء) للقضية في البداية. ورغم اعترافهم لم يحالوا إلى المحاكمة الجنائية في “سابقة غريبة”، واكتفت النيابة العامة بعزلهم من الوظيفة، ثم جاءت المرحلة الأخيرة من غلق القضية بعودة الشرطيين المعترفين المفصولين من العمل إلى عملهم مرة أخرى بموجب أحكام صادرة لهم من القضاء الإداري، وذلك خلال فترة زمنية استغرقت نحو عامين ونصف.

وحملت القضية الرقم 1 لسنة 2018 جنايات الأميرية، وقُيدت القضية برقم 51 لسنة 2018 حصر تحقيق نيابة استئناف القاهرة، وكانت تُجرى تحت إشراف المستشار أحمد مصطفى حمزة، المحامي العام بنيابة استئناف القاهرة.

البداية

وظهر الخيط الأول في القضية من خلال ضبط 3 قضايا مخدرات في منطقة الأميرية بمحافظة القاهرة، وبتفتيش الهواتف المحمولة للمتهمين عثر بحوزة أحد تجار المخدرات على كشف بأسماء 66 شرطيا، بينهم قيادات وضباط شرطة كبار بوزارة الداخلية وبجوار أسمائهم مبالغ مالية يتقاضونها أسبوعيا من تجار المخدرات، لتوفير الحماية لهم، ولعدم ملاحقتهم أمنيا، وكان ذلك هو خيط القضية الكبرى.

الرائد محمود عبد الرازق الطيب، ضابط شرطة بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، وقت الواقعة، وحاليا بمديرية أمن محافظة كفر الشيخ، والذي تم نقله إلى مقر عمله الحالي بعد أن اكتشف الواقعة، وأعدّ تحرياته بشأنها، كعقاب له على فضح قيادات وزارة الداخلية المتورطين مع تجار المخدرات.

وقد كشفت التحريات الكاملة التي أجراها الرائد محمود عبد الرازق الطيب، والتي وضعها بتاريخ 13 سبتمبر 2017 بمحضر تحريات رسمية، والذي أثبت به أن تحرياته قد أكدت صحة ما جاء بأقوال المتهم “وليد البسطاويسي عبده البسطاويسي”، تاجر مخدرات بمنطقة الأميرية بمحافظة القاهرة، وصورة الكشف المضبوط حوزته، والذي يحتوي على عدد 66 أسما من قيادات وزارة الداخلية والضباط وأمناء وأفراد الشرطة.

52 ضابطا

وأكد مجري التحريات أن تحرياته التي أجراها توصلت إلى تحديد بيانات 52 شخصا منهم، وجميعهم ضباط وأمناء وأفراد شرطة من العاملين بقسم شرطة الأميرية.

وكشفت تحرياته عن تقاضي 12 فردا منهم لمبالغ مالية بصفة دورية تتراوح بين 500 جنيه إلى 6 آلاف جنيه مصري أسبوعيا، من مروجي المواد المخدرة، وهم أمناء الشرطة، “محمد السعيد العراقي، وأيمن عبد العزيز زاهر، وخالد رجب يوسف، ومحمد فؤاد قناوي، وجمال محمد سليم، وسيد عبد المقصود، وهاني أحمد حمادي، وأحمد محمد حسنين، ومحمد سيد عبد الله، ومحمد سلطان سرحان، ووليد بدر زكي، ومحمد أحمد حسن”.

وأنهم يتحصلون على هذه المبالغ بصفة أسبوعية من مروجي المواد المخدرة، وتحديدا المتهمين المضبوطين على ذمة القضايا أرقام (3319، و3320، و3321 لسنة 2017 جنايات الأميرية)، وهم المتهمين “وليد البسطاويسي عبده البسطاويسي، وداود عادل داود سليمان، وأحمد فوزي مرجان شحاته، وعمر فوزي مرجان شحاته، وعلي عبد اللطيف اليماني”.

وذلك كي يتم التستر عليهم، وعدم ملاحقتهم أثناء مزاولة نشاطهم في ترويج “الجواهر المخدرة”. وأما عن تحرياته بشأن باقي الأسماء الواردة بذات الكشف، وعددهم 40 فردا شرطة تابعين لوحدة مباحث قسم شرطة الأميرية فهم ليسوا بمنأى عن الشبهات.

مكتب مكافحة المخدرات

كما أكد الرائد محمود عبد الرازق الطيب أن تحرياته التكميلية حول الواقعة، فأكدت تورط رئيس مكتب مكافحة المخدرات بمديرية أمن القاهرة، العميد غالب مصطفى عبد الحميد عمران، وأميني الشرطة “أحمد مختار عويس، وتامر العربي”، من قوة مكتب مكافحة المخدرات بالقاهرة، بوجود علاقات مع أفراد التشكيلات العصابية المضبوطين بمعرفة الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في القضايا المذكورة.

وذكر أن هذه العلاقات تمثلت في قيامهم بتمكين أفراد تلك التشكيلات العصابية بالاتجار في المخدرات من خلال إنشائهم ما يسمى بـ”دواليب مخدرات”– أماكن في مصر غير قانونية تُباع فيها المواد المخدرة– في أماكن ومواعيد ثابتة ومحددة للاتجار العلني في المواد المخدرة بنطاق دائرة قسم شرطة الأميرية مقابل الحصول منهم على مبالغ مالية، فضلا عن استخدامهم لعناصر هذه البؤر الإجرامية في المأموريات التي كان يقوم بها مكتب مكافحة المخدرات تارة بوصفهم مصادر للمكتب، وتارة أخرى بوصفهم أفرادا من قوة المكتب.

كما توصلت تحرياته إلى وجود ذات العلاقة بين أفراد التشكيلات ورئيس مباحث قسم شرطة الأميرية الرائد محمد بهاء الدين محمد جلال، ومعاون مباحث قسم شرطة الأميرية النقيب كريم عماد الدين علي محمود، وبعض أفراد قسم شرطة الأميرية المثبت بياناتهم بالكشف الذي ضبطته النيابة العامة على هاتف المتهم “وليد البسطاويسي عبده البسطاويسي”، تاجر مخدرات بمنطقة الأميرية.

وتوصلت تحرياته أيضا إلى أن هذا الكشف صحيح وأن كل المثبتين فيه كانوا يتحصلون على المبالغ المالية المدونة أمام كل منهم في هذا الكشف، وذلك بصفة أسبوعية، وفقا لكل فرد وأهميته واختصاصه الوظيفي والمكاني بداخل وحدة مباحث قسم شرطة الأميرية وقطاع أمن القاهرة.

وأنهم يتحصلون على هذه المبالغ المالية من عناصر التشكيلات العصابية المضبوطين منهم والهاربين على حد سواء في القضايا المشار إليها، مقابل توفير الحماية لهم والتستر عليهم وغض الطرف عنهم وعدم ملاحقتهم أثناء تجارتهم غير المشروعة.

كما أضاف أن باقي الأفراد الواردة أسماؤهم بالكشف المشار إليه فهم ليسوا بمنأى عن الشبهات، وكانوا يتحصلون جميعا على مبالغ مالية على غرار البقية.

أدلة ثبوت

ودلّل على صحة تحرياته بعدة أمور، أولها ما توصل إليه من مناقشة المتهم “داود عادل داود” المضبوط في واقعة القضية 3321 لسنة 2017 جنايات الأميرية، والتي تمت بمعرفة اللواء زكريا الغمري إبان فترة عمله مدير إدارة النشاط بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، والتي تم تصويرها وهي مسجلة بالصوت والصورة، واحتفظ بها مجري المناقشة سالف الذكر.

وثانيها: المذكرة التي حُررت بمعرفة اللواء أحمد عمر مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في ذلك الوقت، والتي استقاها من تلك المناقشات والمعلومات التي تحصل عليها من مناقشة المتهم “داود عادل داود”.

وثالثها: عدم استهداف أفراد تلك البؤر بمعرفة مكتب مكافحة المخدرات بالقاهرة أثناء مدة تولي العميد مصطفى غالي لرئاسة المكتب، ورئاسة الرائد محمد بهاء لوحدة مباحث قسم شرطة الأميرية.

ورابعها: إقامة أمين الشرطة أحمد مختار بدائرة قسم شرطة الأميرية على مقربة من هذه الدواليب – دواليب المخدرات – وهي تقع في نطاق اختصاصه المكاني.

وخامسها: وجود مشاهدات من قبل الأهالي وبعض مصادر مجري التحريات الموثوق بهم بنطاق قسم شرطة الأميرية، للعميد غالب مصطفى وأمين الشرطة أحمد مختار مع أفراد التشكيلات العصابية بمنطقة السواح بالأميرية في فترة مزاولة هذه البؤر الإجرامية لنشاطها الإجرامي في الاتجار في المواد المخدرة، ووجود ذات المشاهدات للرائد محمد بهاء والنقيب كريم عماد إبان فترة عملهم بقسم شرطة الأميرية، وتردد أفراد تلك التشكيلات عليهم بديوان القسم في ذلك الوقت.

وسادسها: تواطؤ قطاع الأمن العام ومباحث القاهرة ومباحث الأميرية في عدم تنفيذ قرار النيابة العامة الصادر بتاريخ 1 يونيو 2017 بضبط وإحضار المتهمين الهاربين من أفراد التشكيلات العصابية في القضايا المذكورة، على الرغم من أن مصادره السرية أكدت له بأن المتهمين متواجدون بشكل مستمر في دائرة قسم شرطة الأميرية، وأنهم متواجدون دون ملاحقة أمنية، بالرغم من أن هذه الجهات هي المنوط بها تنفيذ قرار الضبط والإحضار للأفراد.

السيسي والمخدرات

وبحسب إحصاءات رسمية وتقارير إعلامية موثوقة، وبالرغم من الركود العام الذى تشهده مصر، قفز حجم تجارة المخدرات، وفقا لتقرير صادر عن مركز بصيرة للدراسات، في فبراير 2019، إلى 400 مليار جنيه، وهو ما يعادل 51% من موازنة مصر العامة لعام 2015/2014.

ومما يؤيد ما ورد في تقرير مركز بصيرة بشأن المخدرات في مصر، ما ذكرته شبكة المعلومات العالمية للمخدرات (جناد) بأن مصر باتت في المرتبة الـ12 بين أكثر الدول استخداما للحشيش.

ويفسر تقرير هيئة الرقابة على المخدرات وقوع مصر ضمن حزام المخدرات بحدودها الطويلة مع جيرانها، وبلغت سهولة وانتشار تجارة المخدرات بمصر درجة أن مصور أحد البرامج المذاعة على إحدى الفضائيات تمكن من تصوير عمليات الاتجار والتعاطي في عدة شوارع ومناطق بمصر.

وفي تقرير نشره الموقع الفرنسي “WorldCrunch” تحت عنوان “انهيار السياحة المصرية يعطى دفعة لتجارة الأفيون”، أشار إلى أن عددا من البدو الذين كانوا يعملون في السياحة انتقلوا إلى زراعة الأفيون بحثا عن مورد للرزق.

ويرى رئيس مركز المصريين للدراسات عادل عامر، أن مصر شهدت عقب ثورة 25 يناير 2011 حالة غير مسبوقة من الانفلات الأمني “نجح خلالها تجار الممنوع في إغراق الشوارع المصرية بالسلاح والمخدرات”.

وأرجع، في حديث صحفى مؤخرا، انتشار المخدرات في مصر لعدة أسباب منها الاضطهاد والظلم السياسي، حيث يلجأ مواطنون للهروب من الواقع الضاغط، ملمحا إلى علاقة بين المخدرات وارتفاع الدولار، حيث يوفر تجار العملة الصعبة في مصر الدولار لمستوردي المخدرات.

ورصدت إحصاءات الأمن العام بدءا من ٢٠١٠ وحتى ٢٠١٥ أن معدل ارتكاب جرائم المخدرات يكون في أعلى مستوياته في شهر سبتمبر.

من جهته، أوضح مدير وحدة طب الإدمان بمستشفى الصحة النفسية بالعباسية عبد الرحمن حماد أن هناك صعوبات جمة تعترض تقدير حجم مشكلة المخدرات في مصر، لتشعبها من جهة وصعوبة الحصول على بيانات من جهة أخرى.

وقال في تصريحات له، إن مشكلة التعاطي ينبني تقديرها على حجم المبالغ المدفوعة للشراء، فمصر دولة غير منتجة للمخدرات بل دولة عبور، وهو ما يجعل استيرادها عبئا على اقتصاد الدولة حيث يتم استيرادها بالعملة الصعبة ككل المنتجات المستوردة.

وهناك عامل ثان- يضيف حماد- هو تكلفة المشاكل الناجمة عن الإدمان كفقد أو نقص الإنتاجية مما يؤثر على الناتج العام، وهو ما قدره تقرير المخدرات العالمي في أمريكا فقط عام 2014 بنحو مائة وعشرين مليار دولار بما يمثل 60% من حجم المشكلة، بينما كانت باقي آثار المشكلة غير مباشرة.

محمود السيسي

وفي 16 سبتمبر 2019، كشف الناشط السيناوي البارز، العضو السابق في لجنة إعداد الدستور ، مسعد أبو فجر، كواليس جديدة عما يحدث في شمال سيناء من عمليات عسكرية، وتهريب من وإلى قطاع غزة المحاصر، لحساب ضابط المخابرات العامة نجل الرئيس عبد الفتاح السيسي، محمود السيسي، ومجموعة من أعوانه..

وقال أبو فجر، في مقطع فيديو بثه على صفحته الشخصية عبر موقع “فيسبوك”، إن “السيسي استقبل تجارا للهيروين في قصر الاتحادية الرئاسي على أنهم من أهالي سيناء بخلاف الحقيقة”.

وسعى محمود السيسي لتمكين العديد من تجار المخدرات المعروفين في سيناء في مناصب شرفية وشعبية ولجان مجتمعية للتواصل مع الجيش في سيناء.

Facebook Comments