الموقع.. مدينة العريش فى محافظة شمال سيناء، أقل ما يوصف بأنها بوابة القتل من أجل بقاء الديكتاتور عبد الفتاح السيسي، فقد نفّذت مجموعات مسلحة، فجر اليوم الأربعاء، هجمات متزامنة على 3 كمائن أمنية في محافظة شمال سيناء.

وأسفرت الاشتباكات المسلحة عن مقتل 7 جنود من الجيش، بينهم ضابط برتبة نقيب، وإصابة 8 آخرين، إلى جانب مقتل 7 عناصر من الجماعات المسلحة، واعتقال عدد آخر منهم. وقالت مصادر قبلية، إن الهجمات استهدفت كمائن ”المعهد الأزهري– الموقف القديم– سد الوادي“.

وفي وقت لاحق، قالت المصادر الطبية إنّ القتلى هم: النقيب مصطفى محمد عثمان، والمجند هشام محمود إبراهيم، والمجند مصطفى عدلي محمود، والمجند مصطفى رمضان محمد،  والمجند محمد بشير عبد التواب، والمجند عبد الرحمن محمد سليم، والمجند عماد حمدي حسن، والمدني أحمد يعقوب.

أما المصابون، حسب المصادر، فهم نقيب الشرطة عبد الله عبد الخالق، وأمين الشرطة عبد الحميد فوزي عبد الحميد، والمجند سامح أحمد عبد الوهاب إسماعيل، والمجند سعد علي جابر  والمجند علي أحمد السيد، فضلا عن مدنيين آخرين هم رجل وامرأة وطفلة.

https://twitter.com/ahmedha51432659/status/1143663166485880832

إعلان بعد صمت

ويوم السبت الماضي، قام مسلحون بحادث إرهابي راح ضحيته خمسة جنود، لكن المثير أن الحادث لم يجد صدى في الإعلام المحلي على عكس المعتاد، ما فسره مراقبون وسياسيون بأنه قد يكون بسبب "تنظيم أمم إفريقيا لكرة القدم 2019"، والمقامة حاليًا بخمس محافظات بينها السويس والإسماعيلية.

كانت وسائل إعلام عربية ودولية قد نشرت الخبر، منها وكالة الأناضول التركية للأنباء، وموقع "روسيا اليوم" باللغة العربية، لكن المواقع المصرية تجاهلت الخبر بشكل يكاد يكون كاملا.

وبحسب الأناضول، لم يصدر أي بيان رسمي بشأن الحادث، لكن وكالة الأنباء المصرية الرسمية نشرت خبرًا عن بيان إدانة من البحرين يشير إلى الحادث، دون تفاصيل.

ولهذا كان طبيعيًّا أن يلجأ مصريون إلى وسائل التواصل الاجتماعي، طارحين أسئلة عن سبب تجاهل هذا الحادث الذي وقع قرب مطار العريش وراح ضحيته عمال مدنيون بسطاء، وغياب ما درجت عليه السلطة من تكريم الضحايا وذويهم عندما يكونون من فئة معينة هي فئة العسكريين.

ورغم مرور أكثر من 4 أيام على الحادث لم يتغير شيء في الإعلام المصري، فلو بحثت بكلمة العريش فستجد خبرًا يتيمًا في صحيفة الجمهورية الحكومية عن نعي حزب "مستقبل وطن" في "شهداء مجريس الذين استشهدوا في العريش"، في إشارة إلى القرية الصغيرة بمحافظة أسيوط التي قدم منها العمال الضحايا للعمل في سيناء.

أما الفصل الأخير من القصة، فجاء على لسان تنظيم الدولة الإسلامية، الذي أعلن مساء الاثنين عن مسئوليته عن الهجوم الأخير، وقال في بيان إنه استهدف قوة من الجيش المصري كانت تحرس عمالا ينشئون تحصينات جديدة لمطار العريش، ثم انسحب الجنود تاركين العمال وعدة آليات عسكرية، فقتل المسلحون عشرة عمال وأحرقوا عدة آليات عسكرية.

هنا فيتنام المصرية

ويشكو جنود في الجيش من تعرضهم للقتل أو الإصابة خلال مواجهة تنظيمات مسلحة في شبه جزيرة سيناء، كما يشكون من ضعف تجهيزهم بالعتاد اللازم وعدم تلقيهم التدريب العسكري الكافي، مما ترك آثارًا نفسية دائمة عليهم.

موقع "ميدل إيست آي" البريطاني كان قد نشر تقريرا تحدث فيه مع عدد من هؤلاء الجنود، الذين قالوا إن "الحرب التي يخوضها الجيش في سيناء وخلفت أكثر من 1500 قتيل من أفراد الأمن المصري جعلتهم مضطربين ومحطمين نفسيًّا".

ويضيف هؤلاء الجنود أنهم التحقوا بوحداتهم العسكرية في سيناء بعد أن تلقوا تدريبًا لمدة 45 يومًا فقط.

https://www.facebook.com/North.Sinai.News/posts/2239684222793762

الشكوى ممنوعة

وينقل الموقع عن عسكريين قولهم، إن الثقافة السائدة في الجيش المصري لا تتقبل التشكي تحت ذرائع الإصابة بصدمة نفسية أو الضعف، الأمر الذي أجبر العديد من الجنود على التماس استشارات نفسية خاصة لأن الجيش لا يقدمها لهم.

ويقول ضابط بجهاز أمن الدولة- لم يكشف الموقع عن هويته- "عندما تكون المعنويات هابطة فإن الضباط هم من يقومون مقام الأطباء النفسيين، كما يأتي علماء الدين إلى القواعد المركزية القريبة من القاهرة أو المدن الكبيرة ليتحدثوا مع الجنود". ويزعم هؤلاء الجنود أن ما عايشوه أحدث تغييرًا جوهريًّا في حياتهم، مما يستوجب حلًّا مهنيًّا لمشاكلهم.

ويقول جندي اكتفى موقع ميدل إيست آي بالإشارة إليه باسم "سامح" (27 عاما)، وهو جندي يؤدي الخدمة العسكرية في سيناء: "إذا أصيب الجنود بالاكتئاب فإنهم إما أن يتستروا على مرضهم أو يقدموا للحصول على إجازات".

فيتنام المصرية

ويكمل الموقع البريطاني تقريره فيقول، أحد هؤلاء المجندين يدعى معتز، وهو طبيب سابق كانت كتيبته من أوائل الواصلين إلى مسرح القتال، بعد أن شنت الجماعة التي كانت تعرف عندئذ بأنصار بيت المقدس، هجومًا كبيرًا على نقطة تفتيش عسكرية شمالي سيناء في أكتوبر 2014.

كان ذلك الهجوم هو الأشرس الذي يشن ضد الجيش المصري وقتل فيه ثلاثون من أفراده عند نقطة التفتيش، وسرعان ما انخرط معتز في حصر الخسائر البشرية وشرع في معالجة الجرحى.

وأخبر معتز موقع ميدل إيست آي بأن أشلاء الجثث تناثرت في كل مكان "لقد كان منظرا لن أنساه ما حييت".

وقد سرّح معتز من الخدمة العسكرية عام 2017 ويعمل حاليًا طبيبًا في عيادة خاصة بدولة قطر، لكنه يقول إن الكوابيس لا تزال تطارده بسبب ما شاهده إبان خدمته في سيناء، وهو يراجع الآن طبيبًا نفسيًّا.

ويشبه معتز سيناء بفيتنام لما شاهده فيها من أهوال، قائلا "بالنسبة لنا ولمجندين آخرين مثلنا فإن سيناء هي فيتنامنا"، في إشارة إلى الحرب التي خاضها الأمريكيون في تلك الدولة الواقعة بجنوب شرق آسيا.

وهناك مجند آخر اسمه خالد ويبلغ من العمر الآن 23 عاما، وقد خدم قبل ثلاث سنوات مجندا في مدينة رفح بشمال سيناء في يوليو 2017 عندما هاجم مسلحون نقطة تفتيش كانت تعرقل تدفق البضائع والبشر من قطاع غزة، وقد فجر "انتحاري" نفسه في نقطة التفتيش تلك فأودى بحياة 23 عسكريا.

نقص التدريب والعتاد

عمر- وهو ضابط في قوات الشرطة المصرية الخاصة بشبه جزيرة سيناء- قال لـ"ميدل إيست آي"، إن "العديد من مجندي الخدمة الإلزامية الشبان ممن مكثوا 45 يوما في معسكرات التدريب تم تزويدهم بعتاد غير كاف، مما جعل منهم عبئا على القوات المقاتلة هناك".

ومضى قائلا: "قد أكون أنا المقتول القادم وجثتي بين الجثث؛ بسبب تجهيزنا بعتاد من تسعينيات القرن الماضي، لكن حتى الضباط من أمثالي لا يحصلون على معدات كافية". ويتابع "على سبيل المثال، فإن الجهاديين كانت بحوزتهم نظارات للرؤية الليلية وهو ما كنا نحن نفتقر إليه".

ويشير الموقع البريطاني إلى أن الفوارق في التسليح على النحو الذي يورده الضابط عمر هي أحد أعراض ثقافة تاريخية داخل المؤسسة العسكرية التي ترى سوء المعاملة واستغلال السلطة تتناقل عبر التسلسل الهرمي لإصدار الأوامر أو ما تعرف بتراتبية القيادة.

Facebook Comments