مصر والسودان دولتان شقيقتان في الآمال والآلام والجغرافيا والتاريخ المشترك، وعلى طريق ثورة يناير– التي ردمها عسكر مصر- انطلقت غضبة الشعب السوداني ضد حكامه المستبدين، ووصل مسار الثورة السودانية إلى مجزرة القيادة العامة، كما وصلت ثورة يناير إلى مجازر رابعة العدوية والنهضة والحرس الجمهوري، ولم يجد السودانيون بدا من مواجهتها إلا بالمقاومة السلمية؛ خشية تحويل العسكر لثورتهم إلى مجازر تُفقد الثوار تعاطف العالم معهم، وهو ما أدانته كل دول العالم وشعوبها في مجلس الأمن وفي الاتحاد الإفريقي وفي أنحاء العالم الحر، عدا محور الشر العربي المصري الإماراتي السعودي.

العصيان المدني العام الذي شهدته السودان على مدى الأيام الماضية، نجح في إخضاع المجلس العسكري للقبول بالجلوس مجددًا للتفاوض، والتحقيق مع المسئولين عن المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 114 سودانيًّا.

هذا النجاح، رغم أهميته ودوره السياسي الكبير في تحديد مستقبل الثورة السودانية، تخشاه دوائر السيسي، بل وتقلق منه بعد أن عملت على إفشاله عبر إرسال فرق من الدوائر المخابراتية والعسكرية لتشغيل القطاعات الحيوية في السودان في المطارات والكهرباء والمياه، حيث يعتبر نظام الانقلاب نجاح الثورة السودانية تهديدًا مباشرًا له.

مخاوف السيسي

كانت المعارضة السودانية قد بدأت يوم الأحد الماضي عصيانا مدنيا، فيما يحاول المجلس العسكري الانتقالي تقويضه لإثبات نجاحه في إدارة شئون البلاد، بدعم لوجيستي وسياسي من نظام السيسي.

فيما كشفت مصادر دبلوماسية، في تصريحات إعلامية اليوم، عن أن هناك قلقًا مصريًّا متناميًا من نجاح العصيان المدني في السودان، لأنه يمثل سابقة هي الأولى من نوعها في الأقطار العربية، نتجت كردة فعل على فض اعتصام القيادة العامة بالقوة قبل أكثر من أسبوع.

ولا يقتصر القلق المصري من نجاح العصيان على تأثيره السلبي على صلابة موقف المجلس العسكري الانتقالي، بل إن الدائرة المخابراتية الخاصة بالسيسي تخشى انتقال عدوى هذا العصيان إلى مصر مستقبلاً، من خلال طرح أسلوب الإضراب أو العصيان كبديل ناجح وناجع للتظاهرات والنزول للشارع.

ومنذ انقلاب السيسي عملت حكوماته من خلال إدارتها للقطاعات المختلفة على محاربة الحركة العمالية، خصوصا في شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام. كذلك تواطأت مع أصحاب شركات القطاع الخاص ضد الإضرابات العمالية بمختلف صورها، فصدر قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية في عامي 2016 و2018 على التوالي، واضعا الفصل جزاء للدعوة إلى الإضراب أو الانخراط فيها.

كذلك استصدرت الحكومة من المحكمة التأديبية عدة أحكام بين عامي 2015 و2017 لتجريم الإضراب عن العمل ومنعه نهائياً، كما استصدرت من مجلس الدولة عدة فتاوى بين عامي 2017 و2019 بعدم مشروعية اللجان النقابية المستقلة التي تدعو إلى الإضراب ضد توجهات اتحاد العمال الحكومي الرسمي، فضلاً عن تقديم عمال بعض الشركات بالمحلة الكبرى والسويس والإسماعيلية والترسانة البحرية بالإسكندرية للمحاكمة بتهمة الإضراب.

الإضرابات

وأشار السيسي بنفسه إلى معارضته لتنظيم الإضرابات أكثر من مرة، كانت أولها عام 2014 عندما اتهم المضربين عن العمل والمطالبين بتحسين أوضاعهم بأنهم “عايزين ياكلوا مصر” وبأنهم ينظمون فعاليات فئوية للنيل من هيبة الدولة. كذلك خاطب العمال في عيدهم فائلا: “كلما تتظلم أكتر اشتغل أكتر”.

لكن العصيان المدني في السودان يعطي بعدا آخر أعمق من كونه إضرابًا عموميًا عن العمل، فنجاح المعارضة السودانية في تنظيم العصيان باعتباره وسيلة سياسية للمواجهة، وما ترتب على ذلك من إصدار المجلس العسكري الانتقالي عدة بيانات تعبر عن تراجع– ولو تكتيكيا- في مواجهته للمعارضة، بما في ذلك تعهده بتقديم بعض المسئولين عن مجزرة القيادة العامة للمحاكمة واستعداده للتفاوض من جديد على عضوية المجلس السيادي، فإن جميع هذه المستجدات تمثل قلقا لنظام السيسي، بحسب مصدر أمني.

التجربة السودانية

وكشف مصدر أمني عن أن الأجهزة الأمنية، المسئولة عن متابعة صفحات التواصل الاجتماعي وقياس اتجاهات الرأي العام، رصدت تفاعلا متزايدًا للدوائر السياسية المعارضة بمختلف اتجاهاتها مع الأحداث في السودان، وترحيبها بخطوة العصيان المدني، والدخول في نقاشات تقارن بين العصيان وأسباب نجاحه وبين أسباب فشل مشروعات الإضرابات العامة السابقة في مصر.

وأوضح المصدر أن هناك قلقا من الأحداث في السودان على مستويات أمنية عدة، بدءا من أن تمثل التجربة السودانية إلهامًا وتجديدًا للأمل في أوساط الشباب المصري أو الأجيال الجديدة التي لم تشارك بفاعلية في ثورة 25 يناير 2011، وانتهاء بأن تؤدي الاضطرابات الحالية إلى حالة من ضعف سلطة الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية بالسودان، وتترتب على ذلك صعوبة في التعامل مع الأخطار الأخرى كالتسلل عبر الحدود والهجرة غير الشرعية والتنقيب غير الشرعي عن المعادن.

خارطة طريق

ولعلّ الأوضاع المأساوية التي يحياها المصريون بجميع طوائفهم وفئاتهم تؤكد أن مصر مقبلة على أحداث جسام، إثر مخططات حكومية لزيادة أسعار الكهرباء والوقود والمياه وجميع السلع والخدمات الحكومية، وهو ما يحول حياة المصريين لنار مشتعلة، بعد أن وصلت نسبة الفقر بينهم إلى أكثر من 60% بينهم، ونحو 80% يعانون من فقر مدقع ولا يجدون قوت يومهم.

كان المجلس الثوري المصري قد أصدر، أمس الثلاثاء، بيانًا دعا فيه المصريين إلى العصيان المدني، وذلك اقتداء بالعصيان المدني في السودان.

وفي بيانه، أشاد المجلس بالشعب السوداني بأكمله على “نجاحه المبهر في العصيان المدني الشامل بالسودان”، داعيا الشعب المصري إلى ذات الخطوة.

وأضاف المجلس: “يؤكد المجلس أن دعوته للشعب المصري بالعصيان المدني الشامل والتي أطلقها في 2016، ما زالت مستمرة، وتأتي هذه الدعوة من إيمان المجلس المطلق بقدرة كافة إجراءات العصيان المدني على تركيع أي نظام مستبد، وثقته أن الشعوب قادرة على الفعل دون مواجهة شاملة مع مجموعة من القتلة والمجرمين”.

وتابع: “يدعو المجلس الثوري المصري كل الشعب مصر لاستكمال ما بدأه الشعب السوداني في أرضه بالتحضير لعصيان مدني شامل في كل مصر من كافة القطاعات”، داعيا لأن “تكون شرارة انطلاق العصيان المدني في مصر رفع أسعار الوقود المنتظر، أو إلغاء الدعم على أي سلعة أو خدمة حيوية للشعب المصري”.

وقال: “أكدت أحداث السنوات العشر السابقة، بلا أدنى شك، أن الصمت على الاستبداد والقهر والبطش لا ينتج أمانا ولا رخاء ولا إصلاحا، وأن الخسارة الناتجة عن بقاء الفساد والاستبداد أكبر مئات المرات من بعض الخسائر المؤقتة من تحدي السلطة المستبدة”.

وأشار إلى أن “الدعم هو الحق الأدنى للشعب وفتات سرقة ثرواته ومقدراته التي تعطيه سلطة اللصوص له، وإذا كانت معركة مصر لتحريرها من الاستبداد معركة طويلة؛ فلتكن أول خطواتها حماية الشعب من الجوع على يد اللصوص والفسدة”.

واعتبر أن “الامتناع عن العمل والبقاء بالمنازل ورفض الرضوخ لدفع أي أموال للسلطة، وإغلاق الشوارع أهم مظاهر العصيان المدني الذي يدعو له المجلس”.

القيمة المضافة

وشهدت مصر في أوقات سابقة دعوات ناجحة للعصيان المدني والإضراب في عهد السيسي، تجلت في إغلاق أصحاب الورش والمصانع الصغيرة بدمياط والدقهلية والمحلة والشرقية ورشهم ومحالهم، رفضا لإطلاق وزارة المالية بحكومة الانقلاب حملات تحصيل ميدانية لتحصيل ضريبة القيمة المضافة المطعون بدستوريتها مؤخرا.

ومع الإغلاق والامتناع عن دفع الرسوم الضريبية، اضطرت المالية الانقلابية إلى التوقف عن حملاتها الميدانية، وبدأت في الحوار مع أصحاب الورش والمحال المتضررين، والتحصيل بنظام الأقساط والتخفيف عنهم، وهو ما يؤكد أن المصريين قادرون على فرض إرادتهم رغم بطش نظام السيسي.