تنزلق منطقة الخليج العربي إلى مزيد من التوترات وسط مخاوف من تصعيد الأمور وصولا إلى المواجهة المسلحة واشتعال حرب إقليمية كبرى تحرق الخليج كله، وتفرغ المنطقة تمامًا لمزيد من الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية الأمريكية.

هذه المخاوف تعاظمت بعد استهداف ناقلتي نفط في بحر عمان أول من أمس الخميس بالتزامن مع هجمات الحوثيين على مطار أبها السعودي ثم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ينتمي إلى اليمين المتطرف والذي تحركه عقائده الفاسدة وتبني سياساته في المنطقة والتي تستهدف بالأساس تحقيق التفوق الإسرائيلي الكاسح وتمهيد مسرح الأحداث للمجيء الثاني للمسيح بحسب معتقدات اليمين المتطرف التي لا يمكن استبعادها في فهم التحركات والسياسات الأمريكية في المنطقة.

وكان ترامب قد اتهم طهران بالتورط في الهجوم على ناقلتي النفط في حديث لقناة “فوكس نيوز”، أمس الجمعة، مدعيا أن الهجوم على ناقلتي النفط في بحر عُمان “يحمل بصمات” إيران.

وقال: “طهران قامت بهذا الأمر”، مضيفاً “نرى السفينة، مع لغم لم ينفجر، وهذا يحمل بصمات إيران”، مستندا إلى شريط فيديو نشره الجيش الأميركي.

ثم تشدد ترامب في تصريحاته مقلّلا من مخاطر قيام إيران بتنفيذ تهديداتها السابقة بإغلاق مضيق هرمز الذي يعتبر ممرا حيويا لإمدادات النفط العالمية، مضيفا: “لن يقوموا بإغلاقه، لن يغلق، لن يغلق لفترة طويلة وهم يعلمون ذلك. ولقد أبلغوا بذلك بأشد العبارات”.

لكن الرئيس الأمريكي تراجع عن حدته معلنا عن استعداده لعقد محادثات مع طهران وقتما تكون مستعدة لذلك، وقال “نريد أن نعيدهم لطاولة التفاوض.. أنا مستعد عندما يكونون مستعدين.. لست في عجلة”.

وردًّا على سؤال بشأن كيف يعتزم التعامل مع طهران ومنع تكرار مثل تلك الحوادث مستقبلاً؟، قال: “سنرى ما سيحدث”، وشدد على أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية، معلنًا أن بلاده تريد إعادتها إلى طاولة المفاوضات.

والراجح أن واشنطن ببث شريط الفيديو الذي يتهم إيران بالتورط في تفجير ناقلتي النفط، تريد تحقيق اصطفاف دولي يمنح تحركاتها ضد إيران مشروعية دولية؛ حيث تلح كل من “إسرائيل والإمارات” على ضرورة التحرك ضد طهران، بينما أعلنت الحكومة البريطانية دعمها الموقف الأمريكي، واعتبر وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت أنه ليس هناك ما يدعو لعدم الاقتناع بالتقييم الأمريكي بأن إيران وراء الهجوم.

وقال هنت لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي): “سنجري تقييمنا الخاص المستقل. لدينا إجراءاتنا لعمل ذلك (لكن) ليس هناك ما يدعونا لعدم تصديق التقييم الأمريكي… حدسنا يدعونا لتصديقه، لأنهم أقرب حلفائنا”.

في المقبل، رفض وزير الخارجية الألماني هايكو ماس اتهام إيران واعتبر مقطع الفيديو الذي نشرته الولايات المتحدة لا يكفي لإثبات أن إيران تقف وراء الهجوم. وقال ماس للصحفيين خلال زيارة لأوسلو: “مقطع الفيديو لا يكفي. نستطيع أن نفهم ما يعرض بالطبع، لكن بالنسبة لي هذا لا يكفي لوضع تقييم نهائي”.

واتفق مع الألمان الموقفان الروسي والصيني، حيث رفضا الاتهامات الأمريكية لإيران بدون دليل، وكان الرئيس شي جين بينغ قد صرح لنظيره الإيراني حسن روحاني على هامش قمة منظمة شنغهاي أن الصين ستسعى لتعزيز تطوير علاقاتها مع إيران بغض النظر عن التغيرات التي تطرأ على الوضع الدولي.

نحو حل وسط

وبحسب تحليل نشره موقع “ناشيونال إنتراست” فإن إدارة “ترامب” تعرب عن معارضتها الشديدة لثلاث سياسات إيرانية رئيسية، وهي دعم طهران للوكلاء والحلفاء في النزاعات الإقليمية، وبرنامجها الصواريخ الباليستية، والأهم: برنامجها النووي.

ويشير الفحص الدقيق لسياسات طهران إلى أنه من غير المرجح أن تغير طهران موقفها من القدرات الصاروخية والصراعات الإقليمية. وبغض النظر عن البيانات شديدة اللهجة ستكون إيران منفتحة فقط أمام حل وسط بشأن البرنامج النووي.

جانب آخر من المشهد حيث تعد إيران أمة شيعية وفارسية في شرق أوسط مكون إلى حد كبير من العرب السنة، لذلك فهي أقلية في جوارها.

وفي الوقت نفسه، تتمتع طهران بعلاقات تاريخية مع المجتمعات العرقية والطائفية في العديد من الدول المجاورة.

وتَعد طهران هذه العلاقات القوية مع حزب الله في لبنان، ونظام “الأسد” في سوريا، والميليشيات الشيعية في العراق، مسألة تتعلق بالأمن القومي.

علاقات إيران بحزب الله يمنح الأولى خيار الرد والانتقام إذا هاجمتها (إسرائيل). وتضمن الميليشيات والأحزاب السياسية الشيعية في العراق عدم وجود حكومة معادية في بغداد مماثلة لتلك التي كانت قائمة قبل عام 2003 مرة أخرى.

وتمنح الصواريخ الباليستية طهران القدرة على سد الفجوة بين سلاحها الجوي الضعيف وقوات الولايات المتحدة وحلفائها، وتعني هذه الصواريخ أن إيران يمكنها الرد الانتقامي وجعل أي تصعيد عسكري ضدها مكلفا، ومنذ الثمانينيات استثمرت الجمهورية الإسلامية بكثافة في تطوير برنامج صاروخي محلي. ونتيجة لذلك تمتلك طهران الآن برامج صواريخ متنوعة قد تصل إلى أي مكان في الشرق الأوسط تقريبا.

وبحسب “ناشيونال إنتراست”، يرى القادة الإيرانيون أن قدراتهم الصاروخية مسألة بقاء. وقبلوا بالفعل عدم زيادة مدى صواريخهم الحالية، لكن من المؤكد أنهم سيواصلون العمل على تحسين دقتها، وليس من المرجح أن يقبلوا قيودا على اختبار وتطوير ترسانتهم الصاروخية. وعلى عكس السياسات الإقليمية والصواريخ الباليستية يوفر البرنامج النووي المجال لطهران وواشنطن لإيجاد أرضية مشتركة.

وكان القادة الإيرانيون ثابتين في إنكار أي مصلحة في الحصول على أسلحة نووية. وهم يزعمون أن البرنامج النووي لا يخدم أغراضا عسكرية، وأنه مخصص للأغراض المدنية فقط. وخلال المفاوضات التي أدت إلى توقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015 رفض الإيرانيون أي قيود على قدراتهم الصاروخية، لكنهم قبلوا القيود المؤقتة على برنامجهم النووي.

وقد تشمل التسوية تمديد القيود التي قبلتها طهران بالفعل في السابق، مقابل رفع جميع العقوبات، تلك المتعلقة بالبرنامج النووي وكذلك العقوبات الأخرى المتعلقة بالإرهاب وحقوق الإنسان. ويمكن التصديق على هذه الصفقة المنقحة من قبل مجلس الشيوخ، ويمكن للرئيس “ترامب” أن يدعي أنه تفاوض على صفقة أفضل من سلفه.

Facebook Comments