في ظلّ تصاعد أزمات الاقتصاد المصري، الذي اقترب من الخراب والانهيار بسبب تفاقم الديون المحلّية إلى أكثر من 4 تريليونات جنيه، ووصول معدلاته لأرقام كارثية على صعيد الاستدانة من الخارج، التي تجاوزت 108 مليارات دولار في مارس الماضي، بجانب هروب نحو 7.7 مليار دولار استثمارات أجنبية في أكتوبر الماضي، ثم هروب نحو 5 مليارات دولار في نوفمبر الماضي، وسط تقديرات بحدوث أزمة كبيرة في دوائر السيسي الضيقة، وهو ما يفسر محاولات التغيير في المنظومة الإعلامية التي انقلب عليها في سنوات الانقلاب الماضية، حيث تسعى مخابراته إلى إعادة رجال الأعمال مرة أخرى لقنواتهم الإعلامية التي أُجبروا على التنازل عنها سابقًا؛ لاسترضائهم من أجل ضخ أموالهم في السوق المصرية مجددًا، بعد أن تسبّبت سياسات العسكر في تطفيشهم، بجانب الضرائب والرسوم التصاعدية التي شلت المصانع والشركات، بجانب رفع أسعار الطاقة على الصناعة والمشروعات الصناعية.

وقد استبعد سياسيون واقتصاديون مصريون، قيام عبد الفتاح السيسي بأية خطوات تحفيزية حقيقية لجذب الاستثمارات الأجنبية لمصر، مؤكدين أن الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها في هذا الاتجاه هي وقف النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، باعتبار ذلك رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب.

وبحسب الخبراء، فإن توغل المؤسسة العسكرية داخل كل المشروعات القومية، واستحواذهم على كافة المقدرات الاقتصادية، أصبح من الصعب معه أن تتراجع هذه المؤسسة خطوة للوراء، حتى إذا أراد السيسي القيام بذلك.

حيث تسيطر شركات الجيش على ما قيمته 40 إلى 60% من الاقتصاد المصري، عبر نظام “الأمر المباشر” الذي يتبعه السيسي لإدارة منظومة الفساد العسكرية، التي كشفت فيديوهات الفنان “محمد علي” عن جزء منها مؤخرًا.

وهو ما تنعدم معه المنافسة وتغيب فيه الشفافية التي هي أساس الاستثمار الاقتصادي الناجح، والذي يعود بالفائدة على الوطن والمواطن، وفق معايير تجارية واقتصادية واضحة، لا من خلال الاسترضاء للقيادات وتوزيع المغانم وفق الولاءات، وهو نهج لا يجدي نفعًا للبيئة الاقتصادية بالبلاد.

الخداع المخابراتي

ولمواجهة أزمة هروب الاستثمارات الأجنبية، يقوم حاليًا جهاز المخابرات العامة بتغييرات على هوية مالكي أسهم شركاته، في محاولة لتغيير المعادلة القائمة واستبدال القائمين حاليًا بضباط وموظفين بالجهاز غير معروفين لأحد.

وتناقلت تقارير مخابراتية أنه بعد زلزال الإطاحة بياسر سليم، بدأ المسئولون الفنيون والإداريون في المشروعات الإعلامية والاقتصادية التابعة للاستخبارات، في إعادة الاطلاع على تفاصيل التصرفات المالية والإدارية التي أدخلها هذا الجهاز على الهياكل الخاصة بتلك المؤسسات، ليكتشفوا أنه أجرى حركة واسعة لنقل الأسهم من حوزة ضباط وموظفين فيه، ومن الشخصيات الذين يستخدمون كغطاء أو واجهة للأعمال، إلى ضباط وموظفين وأشخاص مجهولين جدد. وترافقت هذه الخطوة مع إجراء تغييراتٍ على حجم حصص الأسهم الموثقة لكل اسم، بواسطة تجزئتها وعدم التوسع في توثيق حصص بأسماء شخصيات بعينها.

هذه الحركة الواسعة جرت في جميع المشروعات المشهرة كشركات مساهمة، وتمّ توثيقها بالفعل على مدار شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين. إلى ذلك، تمّ أيضا بيع بعض الحصص التي تملكها الاستخبارات في مشروعات أخرى، دون الاستحواذ على إدارتها، لأشخاص جدد، ليسوا معروفين على الإطلاق، معظمهم ضباط وموظفون في الجهاز.

استرضاء “المحلي”

ولمواجهة أزمة هروب الاستثمارات المحلية هي الأخرى، والتي تمثلت في إغلاق المصانع والشركات وتشريد العمالة، في وسط بيئة خانقة على المستوى الاقتصادي، لجأ السيسي إلى منح عدة تسهيلات لتشغيل القطاع الخاص، الذي وصل غضبه لمستوى قياسي من اقتصاد العسكر، الذي حول كل الشركات المصرية لمجرد مقاولين من الباطن.

وفي نفس السياق، سلطت وكالة بلومبرج الأمريكية الضوء على المبادرة التي أطلقتها حكومة الانقلاب، أمس الأربعاء، لدعم الصناعة المحلية بـ100 مليار جنيه، معتبرة أنها أحدث دفعة من الحكومة للقطاع الخاص.

ونقلت الوكالة عن طارق عامر، محافظ البنك المركزي، أنه في ظل هذه الخطة سيكون بإمكان المصانع التي تقل مبيعاتها عن مليار جنيه سنويا الحصول على قروض بمعدل فائدة يقل عن 10%، ولكن المصانع التي تزيد مبيعاتها عن هذا المعدل ليس من حقها الحصول على هذه القروض.

وأوضح عامر أن المبادرة ستغطي ٩٦ ألف مؤسسة صناعية ستتمتع بهذه القروض، وستكون الأولوية للصناعات البديلة للواردات. وذكر عامر أن عدد المصانع المتعثرة بلغ 5184 مصنعًا متعثرًا، وأغلبها لديه قضايا في القضاء، موضحا أنه سيتم إعفاء هذه المصانع من الفوائد المتراكمة بالكامل والتي تبلغ ٣١ مليار جنيه، وإزالة هذه الشركات من القوائم السلبية بالبنك المركزي حال تسديد ٥٠٪ من أصل الدين لتعود للعمل مرة أخرى.

فهل تكفي تلك الإجراءات لإقناع المستثمرين الأجانب والمحليين بالعودة للسوق المصرية؟ أم سيضطر السيسي لإجبار الجيش على الانسحاب ولو جزئيًّا من الاقتصاد المصري الذي ابتلعه العسكر؟

Facebook Comments