صدقت توقعات محللين، كما أعلنًا سابقا في “الحرية والعدالة”، بأنه ربما صدرت تعليمات بناء على تقارير مخابراتية بتبريد الصراع مع القوى اليسارية والليبرالية، والانفتاح على من دعّموا الانقلاب ثم طالتهم يد البطش لتبييض وتنظيف وجه السيسي لديهم، وإعادة توحيد السلطة والقوى الداعمة لانقلاب 3 يوليه، ليظلوا يدا واحدة ضد الإخوان، ولمحاولة تفادي وإجهاض ما يثار عن توحيد صفوف المعارضة.

ورغم حجم الألم الذي يتحمّله المعتقل وذووه، إلا أن ما ارتسم على وجوه من ذاقوا الظلم والقتل والقمع من الإسلاميين، باعتبار النظر إلى أقوالهم محل رقابة البعض، كانت كلمة “مبروك” لكل معتقل يخرج من سجون الانقلاب، ولكنّ كثيرًا من هؤلاء المراقبين دعوا الجميع إلى الحذر من أهداف السيسي الساعية إلى تبييض وتنظيف سمعته بدعوى إطلاق سراح معتقلين، بينما يُبقي على 60 ألف معتقل ويقتل شهريًّا ما بين 50 إلى 70 مختفيًا قسريًّا.

ليس منةً

غير أن إخلاء سبيل المحبوسين ليس منة من الانقلاب، ولكنه وضع طبيعي لوضع كارثي نال من حقوقهم وحريتهم وسلامتهم النفسية، يستوجب اعتذار سلطة الانقلاب وتعويضهم، والإفراج عن باقي الضحايا المتضررين من تلك الانتهاكات، وممارسات السلطة للحبس والاحتجاز بالمخالفة لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان.

فالانقلاب هو من وجّه لهم تهمًا تصل إلى السجن المؤبد، ثم إعلان أنه تم الاتفاق مع النيابة على إلغاء هذه التهم، وهو أبرز دليل على انعدام العدالة، وأن النيابة أداة في يد الانقلاب وظيفتها تكييف الاتهامات الباطلة بشكل قانوني شرعي يبرر الأحكام الباطلة، وهي جريمة تبين كيف تدار الدولة من قبل عصابة لإدانة أصحاب الحق، وكيف يقبع الآلاف في السجون بموجب اتهامات باطلة ملفقة.

ويعتبر القرار الإداري للسيسي بحق المعتقلين طريقة مهينة لتعامل العسكر مع المؤسسات القضائية التي أفسدها الانقلاب، بتوجيهها باعتقال المعارضين ورافضي الانقلاب دون سند من القانون، ثم إطلاق البعض في ظل غياب القانون بصورة كاملة.

ويرى مراقبون أن مساحة الاطمئنان التي يشعر بها المنقلب هذه الأيام يمكن أن تزيد بعد انتهاء الكثير من “الاستحقاقات” التي فصلها له ترزية الدساتير؛ وأن يكون الإفراج عن رئيس الأركان السابق سامى عنان لقطة يستفيد منها السيسي، ويزعم من خلالها احترامه للرتب العسكرية ولقيادات الجيش بعد انتهاء فرح “بنت العمدة”، المتمثل في استفتاء الترقيعات، وهو الأقرب، والذى تعتبره أذرع السيسي فوزًا لقائد الانقلاب بـ”انتخابات” جديدة، رغم أنه تكلف 3 مليارات جنيه من جيوب الغلابة، بخلاف مبالغ أخرى أُنفقت على الإعلام وعلى اجتماعات برلمان العسكر ورحلات أعضائه لأمريكا ودول أخرى لإقناع الغرب والأمريكان بأهمية الترقيعات.

وحول التساؤل لماذا سامي عنان؟ يؤكد المراقبون أنه كانت هناك وساطات سرية ومعلنة للإفراج عنه، آخرها كان في يوليو الماضي، بل جاء ذلك على هامش التواصل المخابراتي مع الولايات المتحدة، وتيسيرًا على السيسي كان الشرط أن يكون عنوان الإفراج الحالة الصحية.

أبرز المطالبات كانت لمركز القاهرة لحقوق الإنسان، الذي أشار مديره بهي الدين حسن إلى أن السيسي بعد قمعه المرشحين القادرين على منافسته في “الانتخابات الرئاسية”، شرع في التنكيل بالأصوات الداعية لمقاطعة مسرحية الانتخابات، التي أفقدها وأجهزته الأمنية أي معنى!”، وفي نهاية منشوره طالب المركز بـ”الإفراج الفوري عن عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد القصاص، وسامي عنان، وهشام جنينة”.

السفير معصوم

ويُحسب للقيادي الناصري (التيار الشعبي) السفير معصوم مرزوق قوله: إن مصر في ظل السيسي تسير من سيئ إلى أسوأ، متحدثًا عن مأزق سياسي حله لا يكون إلا بالحوار، كما أنه رمز لآخرين من نفس التيار تتأرجح مواقفهم إلى مواقفه، قد تعلو عنه وقد تهبط، من أمثال د. يحيى القزاز، والمهندس يحيى حسين عبد الهادي، والدكتور رائد سلامة، والذين اعتقلوا في 23 أغسطس الماضي.

وقال مراقبون، في 27 أبريل الماضي، إنه على غرار الإفراج عن علاء عبد الفتاح ووضعه تحت المراقبة، قد يمتد ذلك ليشمل آخرين مثل السفير معصوم، ويعزز رؤية المراقبين في الإفراج الذي يمكن أن يستغله السيسي في عملية تبييض سجله الأسود في حقوق الإنسان أثناء زياراته لأمريكا وأوروبا، أن السفير معصوم يعانى من حالة صحية غاية في السوء على حد قول محاميه علي أيوب، وتسرب أنه أخبر زوجته بوصيته شفهيًّا.

ترويج الأذرع

وتروج سلطة الانقلاب إلى أن الإفراج عن معصوم مرزوق ورفاقه “يسقط وهم اضطهاد الحكومة للمختلفين سياسيًّا معها”!.

ونشرت كل صحف الانقلاب خبر الإفراج عن المعتقلين من اليسار في البداية، نقلا عن “مصادر”، وقالت إن اطلاقهم في سياق حل إشكالية معارضتهم للنظام، وإظهار أن السلطة لا تعادي المعارضين أمام العالم، وأنه تم التنسيق بين الشرطة والنيابة لإلغاء الاتهامات الموجهة لهم (الانضمام لتنظيم)!.

ويبدو أن هذا ما وصلهم من ضابط الاتصال بالصحف كتعليمات ولكنهم نشروه كخبر، وهو ما وقعت فيه الوطن واليوم السابع خصوصًا!، ولاحقًا حذفوا جميعًا الخبر وكتبوا خبرًا موحدًا عن إطلاق النيابة سراحهم بالفعل.

وكانت صحيفة الدستور أول من نشر الخبر ثم حذفته ثم أعادته. وكان نص الخبر “وقال مصدر أمني مسئول، إن هذا القرار يأتي استجابة لمناشدات حقوقية ومطالبات مختلفة واستغاثات أسرية، طالبت بإخلاء سبيل المتهمين، وبعد التنسيق المشترك بين أجهزة الأمن والنيابة العامة بالقضية، حيث برأت المتهمين من التهم المنسوبة إليهم”.

وروّجت الأذرع بأن “إخلاء سبيل هؤلاء المتهمين يعتبر خطوة مهمة في سبيل تحقيق العدالة الجادة، وعدم الاعتداد بأي تحريات مكتبية أو باطلة دون التحقق منها”!، وهو ما اعتبره مراقبون اعترافا رسميا بتلفيق الاتهامات للمعتقلين.

وأضاف الخبر: “وفي السياق ذاته، قال مصدر سياسي آخر، إن قرار الإفراج عن المتهمين له بالغ الأثر في صفوف المعارضة والنشطاء السياسيين، وسيحرك الآفاق بشأن النظر مجددًا إلى ما يثار من اتهامات للحكومة بشأن موقفها من المختلفين معها سياسيًا”!.

Facebook Comments