كشف موقع بلومبرج عن أن سياسة الاقتراض الأجنبي المكثف التى اتبعها نظام العسكر بقيادة عبد الفتاح السيسي، بجانب تدابير التقشف القاسية التي اتبعتها حكومة الانقلاب في إطار اتفاق للحصول على مجموعة قروض من صندوق النقد الدولي، تسببت في ارتفاع مستويات الفقر وتراجع القدرة الشرائية للمصريين من الطبقتين الوسطى والفقيرة .

وقال الموقع، فى تقرير للكاتب عمرو عدلي نشره اليوم بعنوان “من مصر إلى لبنان.. ما علاقة الاحتجاجات بالاستدانة المفرطة؟”، إنَّه من أجل مواجهة الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت فى 20 سبتمبر الماضى اضطرت حكومة العسكر لتقديم تنازلات، بما في ذلك التراجع عن بعض خططها لفرض المزيد من التقشف أو زيادة الضرائب أو الاثنين معًا.

وأشار إلى أن حكومة الانقلاب جمَّدت تنفيذ المزيد من التخفيضات في دعم الوقود وخفّضت أسعار الوقود، علاوة على إعادة إدراج 1.8 مليون مواطن ضمن برنامج الدعم التموينى بعد حذف أسمائهم قبل بضعة أشهر، مؤكدًا أن هذه التنازلات غير كافية، وتوقَّع تجدد الاحتجاجات والثورة على نظام السيسي من جديد.

الفساد والضرائب

وأوضح التقرير أنَّ الاعتماد الكبير لحكومات منطقة الشرق الأوسط على الاقتراض تسبب في تأجيج الشعور بالألم والغضب بين مواطنيها، مشيرا إلى أن المظاهرات التي تجوب شوارع لبنان تأتي في أعقاب الاحتجاجات ضد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية السائدة في العديد من دول الشرق الأوسط الأخرى، ولا سيما في العراق ومصر.

وأضاف أنه رغم أن الاحتجاجات تدور في سياقات سياسية واقتصادية وطنية مختلفة، فإن المتظاهرين يتشاركون العديد من المظالم، مثل الفساد المتفشي وتدهور الخدمات العامة والمعاناة الناتجة عن برامج التقشف الحكومي، وارتفاع الضرائب غير المباشرة.

وشدد على أنه ينبغي على المستثمرين الأجانب الذين يتساءلون عن كيفية التعامل مع الاحتجاجات أن يطلعوا عن كثب على أعباء الدين العام التي تثقل كاهل هذه البلدان، فمنذ سنوات عدة إلى الآن مثّل الدين العام عامل جذب رئيسيًّا بالنسبة للمستثمرين في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

مصر ولبنان

وبحسب التقرير، شهد صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ركودًا وتراجعًا، وأصبحت الحكومات في المنطقة- خاصة تلك التي طالما عانت من إيرادات ضريبية منخفضة وعجز مستمر في ميزان المدفوعات- تعتمد بشكل كبير على الدين الخارجي والمحلي من أجل تحقيق الاستدامة المالية.

وقال إن مصر ولبنان تعتبران مثالَيْن بارزين لذلك، ففي مصر وعلى الرغم من أن الاقتراض الأجنبي المكثف أدى إلى انتعاش اقتصادي، فإن تدابير التقشف القاسية التي اتبعتها حكومة الانقلاب في إطار اتفاق للحصول على مجموعة قروض من قبل صندوق النقد الدولي تسببت في ارتفاع مستويات الفقر وتراجع القدرة الشرائية للمصريين من الطبقتين الوسطى والفقيرة .

ولفت التقرير إلى أن لبنان تُعرف بتاريخها الحافل بالاعتماد على الديون؛ نظرا لقدرة الدولة المحدودة على فرض الضرائب على القطاعات الإنتاجية، مما أجبر الاقتصاد على اللجوء إلى الديون والتحويلات المتأتية من الخارج، موضحًا أنه نتيجة لذلك يشكّل الحصول على قروض أجنبية أمرًا أساسيًّا بالنسبة للاقتصادين اللبناني والمصري.

وأوضح أن الحصول على قروض يعتمد على قدرة الدولة على تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي من خلال تخفيض النفقات وزيادة إيرادات الضرائب، أو في أغلب الأحيان فرض ضريبة القيمة المضافة وضرائب المبيعات.

وأشار التقرير إلى أنه أضحى من الصعب الحفاظ على هذا الوضع لأسباب سياسية، وفي محاولة لمواجهة الاحتجاجات الشعبية قدمت حكومتا الدولتين بالفعل تنازلات، بما في ذلك التراجع عن خططهما لفرض المزيد من التقشف أو زيادة الضرائب أو الاثنين معًا.

وقال: بالنسبة لمصر، جمدت حكومة العسكر تنفيذ المزيد من التخفيضات في دعم الوقود وخفضت أسعار الوقود، علاوة على إعادة إدراج 1.8 مليون مواطن ضمن برنامج الدعم التموينى بعد حذف أسمائهم قبل بضعة أشهر، أما في لبنان فقد أُلغيت ما تعرف بـ”ضريبة الإنترنت” التي أشعلت فتيل الاحتجاجات الأخيرة، وأعلنت الحكومة عن تجميد الخطط التي تهدف إلى رفع ضرائب الاستهلاك.

صناع القرار

وأشار التقرير إلى أن الدرس الذي يجدر بالحكومات الاستفادة منه، يتمثل في أنه أصبح من الصعب معالجة المشاكل المالية باستخدام الوسائل التقليدية التي تقوم على كبح الإنفاق العام والزيادة في الضرائب غير المباشرة.

وأكد أن الاحتجاجات الحالية تثبت أن البلدان في منطقة الشرق الأوسط لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على الدين من أجل تحقيق النمو، بل إنها بحاجة إلى معالجة المشاكل المالية الهيكلية من خلال رفع نسب الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي، وعلاوة على ذلك ينبغي على هذه الدول زيادة الإيرادات من خلال فرض الضرائب المباشرة، خاصة الضرائب على الثروة نظرا لأنها أسهل في التسجيل والتحصيل، ولا تؤثر سلبا على الاستثمار أو النمو أو التوظيف، فضلا عن كونها تحد من المضاربة وتحفز استخدام الأصول للاستثمار في الأنشطة الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل وتحقيق نمو حقيقي.

ولفت التقرير إلى أنه من شأن تخفيض الاعتماد على الدين العام أن يحرر رأس المال ويسمح له بالاستثمار في القطاع الخاص الإنتاجي، وهو ما يعتبر شكلا أفضل من أشكال إقراض البنوك للحكومات التي تسعى إلى تمويل النفقات.

وقال: ويستحسن استخدام هذه الموارد في القطاعات القابلة للتداول على غرار التصنيع والزراعة والخدمات التي تتطلب يدا عاملة ذات مهارة عالية، إذ إنها لن تؤدي إلى خلق فرص العمل فحسب، بل تحسين أوضاع ميزان المدفوعات في هذه الاقتصادات .

وأوضح التقرير أنه على المدى الطويل سيقلل ذلك الاعتماد المفرط للحكومات على الدين الخارجيز؛ للحفاظ على تماسك اقتصاداتها.

وقال إنه من المرجح ألا تلقى هذه الأفكار استحسانا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا سيما أن الشوارع تستشيط غضبا، وفي المقابل ينبغي أن يأخذ صناع القرار هذه الحلول بعين الاعتبار.

Facebook Comments