الأقرب إلى الواقع أن عبد الفتاح السيسي شخصيًا هو صاحب الفضل في إلغاء، أو تعليق، أو تأجيل، مؤتمر مناهضة التعذيب، الذي كان مقررًا انعقاده في القاهرة يومي الرابع والخامس من سبتمبر المقبل.

صحيح أن الأمم المتحدة، ممثلة في المفوضية الدولية لحقوق الإنسان، هي التي أعلنت خبر التأجيل، إلا أن قرار التأجيل ذاته يتشارك في التوصل إليه السيسي مع المنظمات الحقوقية، الدولية والمحلية التي استنكرت عقد مؤتمر، تحت هذا العنوان، في دولةٍ تعتبر التعذيب والظلم والقمع ومصادرة الحريات من مصادر الدخل القومي، بل وتعتمدها ضمن مسوّغات الترقي الوظيفي، وتكافئ القائمين بها.

في عرضها خبر تأجيل مؤتمر"التعريف بالتعذيب وتجريمه في المنطقة العربية"، اختارت صحيفة الغارديان البريطانية أن تضع صورة للجنرال عبد الفتاح السيسي، ومعها كلمات وردت على لسانه، في مؤتمر صحافي جمعه بالرئيس الفرنسي، ماكرون، في زيارة الأخير القاهرة العام الماضي، يقول فيها السيسي "لا ينبغي أن يطبق المنظور الغربي للحريات ‏المدنية على مصر".

أتذكر أن السيسي قال، في ذلك المؤتمر أيضًا، عبارة تجسّد وافر احتقاره الإنسان المصري، والعربي، وتصنيفه له في درجة أدنى على سلم الإنسانية، بقوله "لن تعلمونا إنسانيتنا.. فهي غير إنسانيتكم". وكما علقت في ذلك الوقت: هذا يساوي بالضبط أن إنساننا يختلف عن إنسانكم.. الإنسان عندنا أرخص من الإنسان عندكم، فلا تحدّثونا عن معايير وقيم إنسانية واحدة.

واستباقًا لموعد المؤتمر كذلك، كانت مصر تسبح في بحيرةٍ من الجدل الصاخب حول ما وصفت بمبادرة مجهولة المصدر والعنوان، تقول إن آلافًا من السجناء والمعتقلين بلغ بهم اليأس أن هناك من يتحدّث باسمهم، معلنًا أنهم على استعداد للتخلي عن كل الأفكار التي قادتهم إلى السجن، ودفع خمسة آلاف دولار عن كل رهينةٍ في زنازين النظام، للنجاة من التعذيب والقهر والاستباحة الكاملة لهم ولذويهم، داخل السجون وخارجها، وهي المبادرة التي استقبلها إعلام السلطة بكثير من السخرية والتحذير من إطلاق سراحهم.

يتزامن ذلك مع مزيد من الاعتقالات، طالت كل ألوان الطيف السياسي في مصر، استمرارًا لسياسة الانتقام العنيف من كل الوجوه التي ارتبطت بثورة يناير 2011، وآخرها الناشط رامي شعث، المصري من أصول فلسطينية، وهو نجل انبيل شَعث وزير الخارجية الأسبق للسلطة الفلسطينية، والذي يشغل حاليًا منصب مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية  ورئيسا" لدائرة المغتربين". ولم تكتف السلطات المصرية باعتقال شعث منذ شهرين تقريبًا، بل أبعدت زوجته الفرنسية إلى بلادها، وكل جريمته أنه من ناشطي ثورة يناير.

بوضوح شديد، قدّم السيسي، لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كل الأسباب اللازمة لكي تشعر بالخجل من المضي في عقد مؤتمر حقوقي ضد التعذيب، في عاصمة التعذيب، إذ لا تكفي هنا محاولات المتحدّث باسم مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، روبرت كولفيل، تبرير اختيار القاهرة بالقول إن "هناك قيمة كبيرة لعقد ‏لمحاولة الحد من التعذيب في بلدٍ يقع فيها التعذيب".‏

بالطبع، لا يقنع هذا الكلام الإنشائي أحدًا، ذلك أن الأمم المتحدة تدرك أن التعذيب في مصر هو من المعلوم بالضرورة، ومناهضته تتطلب شيئًا آخر غير مكافأة النظام المصري بعقد مؤتمر دولي يبدأ بخطبة طويلة لحاكم دولة التعذيب، يردّد فيها محفوظاته المملة عن حربه على الإرهاب، حماية للإنسان الأوروبي من خطر الإنسان المصري المعارض، الذي يأتي في درجة أقل.

ولو كانت ثمّة إرادة أممية في مناهضة التعذيب فعلًا، لفرضت الأمم المتحدة تشكيل لجنة دولية تزور السجون، وتستمع إلى المعتقلين وذويهم، وتجري تحقيقًا دوليًا في الفظائع التي تتضمنها تقارير المنظمات المعنية بحق الإنسان في الداخل والخارج.

Facebook Comments