قالت دراسة علمية للدكتور حسن دقيل، إن الإمارات والولايات المتحدة والكيان الصهيوني يتزعمون المافيا العالمية لتجارة وتهريب الآثار العربية في دول الربيع العربي الأول والثاني، بداية من تونس ومرورًا بمصر وسوريا واليمن وصولا للجزائر والسودان.

وأكد- في دراسة بعنوان "الربيع العربي وتوابعه على التراث الأثري" أعدها للمركز المصري للدراسات- أن الدول الثلاث تقوم بدور مشبوه في الوقوف أمام الجهود المؤسسية الدولية والمحلية لحماية التراث الأثري العربي، الضعيفة بالأساس أمام سرعتهم في استنزاف التراث الأثري العربي.

تشابك أدوار

وأعطى الباحث "دقيل" عدة أمثلة لتشابك أدوار الدول الثلاث بين المهرب والمُمرر والمشتري، فقال إن تقريرا لمنظمة "التحالف للآثار" أكد استيراد الولايات المتحدة الآثار من سوريا بطريقة غير مشروعة، ولوحظ ازدياد ذلك خلال الفترة ما بين 2012 – 2013، وأن سعر القطع المستوردة قد ارتفع من حوالي خمسة ملايين دولار أمريكي إلى 11 مليون دولار أمريكي.

كما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية مقالاً، كشفت فيه عن أنّ الآثار والكنوز القديمة التي نُهبت من مناطق الشرق الأوسط، والموجودة لدى الدول الغربية، معروضة للبيع على موقع “فيسبوك” اليوم، وذكرت الصحيفة أن التحف المعروضة للبيع تأتي من اليمن ومصر وتونس وليبيا.

وأشار إلى أن مجلس النواب الأمريكي أقر تشريعًا غريبًا؛ لم يمنع من خلاله نهب الآثار بمنطقة الثورات العربية، بل نص على منع الجماعات المسلحة من جني أرباح بيع الآثار من المواقع التراثية في سوريا؛ وكأنه يريد الأرباح لنفسه، وألزم القرار وزارة الخارجية الأمريكية بتعيين منسّق دولي لحماية الملكية الثقافية.

وبحسب الدراسة، أشارت الدلائل إلى أن قطع الآثار المصرية المسروقة بعد الثورة تصل إلى الكيان الصهيوني مباشرة أو من خلال الإمارات، حيث وصلت إلى الصهاينة قطع عديدة منها تمثال مقطوع نصفين، كما أن “شاي بار طوبا”، مدير وحدة مكافحة سرقة الأثريات في سلطة الآثار الصهيونية، يقول بتبجحٍ: إن هناك ازديادًا في ظاهرة تهريب المكتشفات الأثرية من مصر للكيان الصهيوني عبر سيناء، في حين أشارت الناطقة بلسان سلطة الآثار “يولي شفارتس” إلى أن لصوص آثار مصريين باعوا المكتشفات التي سرقوها من غرب مصر لمهربين باعوها لدبي، ومن هناك تم تهريبها مجددا لإسرائيل بواسطة دولة أوروبية تمهيدا لبيعها بالمزاد العلني بعد استصدار شهادات رسمية لها، وكأنه عُثر عليها في البلاد.

أنواع التهديدات

وقالت الدراسة، إن أنواع التهديدات التي يتعرض له التراث الأثري بدول الربيع العربي قديمة، ولكن الملاحظ أن وتيرتها زادت بعد الثورات، ومن أهمها؛ التنقيب العشوائي في المناطق الأثرية، وانتشار تجارة الآثار، والإهمال والتخريب المتعمد لمواقع التراث العالمي.

وتناولت الدراسة دول ثورات الربيع العربي نهاية عام 2010 بداية من تونس وأخيرا السودان، ومع تكالب الثورات المضادة بمعظم تلك الدول ومحاولتها السيطرة؛ حدثت هناك تغييرات سلبية– أو بمعنى أصح كارثية– بالعديد من المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وكان من أهم تلك الكوارث ما وقع تجاه التراث الأثري بتلك الدول، وقد تم رصد العديد من الجرائم والتعديات التي ارتُكبت بحق المواقع الأثرية والتراثية بها، كالتدمير، والتشويه، والتنقيب العشوائي، والسرقة، وانتعاش تجارة الآثار ورواج تهريبها بتلك الدول.

ربيع مصر

وتحت عنوان فرعي "الربيع العربي وتوابعه على التراث الأثري"، قال إن مافيا الآثار انتشرت بوضوح في مصر بعد ثورات الربيع العربي، وانتشرت أكثر بعد الثورة المضادة ومحاولة تمكنها؛ فقد بدأ التعرض للآثار منذ بدايات الثورة، ففي عشية جمعة الغضب يوم 28 يناير 2011م كان التعدي على المتحف المصري، واقتحامه وكسر 13 خزانة عرض وبعثرة محتوياتها، وخلال ذلك تعرض ما يقرب من سبعين قطعة أثرية للكسر والتلف، هذا بالرغم من أن الثوار بميدان التحرير حموا المتحف بظهورهم، حيث هرعوا إلى المتحف وكونوا بأجسادهم دروعا بشرية.

وقالت، إن أصعب أنواع الكوارث التي تعرض لها تراث مصر بعد ثورة يناير ما حدث للمجمع العلمي بالقاهرة، الذي يشتمل على ذاكرة مصر منذ عام 1798م، حيث نشب به حريق هائل في 17-18 ديسمبر 2011م، التهم آلاف الكتب النادرة والقيمة؛ ولم ينجُ من محتوياته، البالغ عددها 200 ألف وثيقة ما بين مخطوطات وكتب أثرية وخرائط نادرة، سوى قرابة 25 ألفا. وأشارت الأحداث إلى أن أيادي “الطرف الثالث” هي من قامت بهذا الاعتداء.

وأضاف أن حالة الفلتان الأمني المتعمدة والفوضى التي قام عليها المجلس العسكري ومخابراته العسكرية، استغلتها المافيا للتنقيب غير المشروع والتهريب للخارج عبر البر والبحر والجو، فُهربت توابيت كاملة محمّلة بالمومياوات، واستُخدمت الحقائب الدبلوماسية في التهريب أيضا في عملية غريبة من نوعها.

وكشف عن أن اللصوص هاجموا مخازن الحفريات الأثرية، ومنها: مخزن القنطرة في شرق سيناء، ومخازن مقابر سقارة، ومخزن سليم حسن في الجيزة، الذي هاجمه بعض اللصوص واستولوا على محتويات 11 صندوقا من القطع الأثرية بعد أن تم كسرها، ومخزن تل الفراعين، وموقع اللاهون بالفيوم، ووصل حجم المسروقات من المخازن والمواقع الأثرية في عام 2014 إلى نحو 1228 قطعة أثرية.

وأشارت الدراسة إلى أنه في ظل هذه الحالة اقتحم اللصوص متحف ملوي في محافظ المنيا، ونهب محتوياته أثناء الأحداث التي تلت فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013م، ولم يتبق سوى 39 قطعة أثرية من أصل 1089 قطعة [15]، وتعرض متحف الفن الإسلامي لتحطيم واجهته ذات الطابع المعماري المميز، وتهشمت فاترينات عرض المقتنيات به، نتيجة للانفجار الذي استهدف مديرية أمن القاهرة يوم 24 يناير 2014.

المجتمع الدولي

الدراسة أكدت أنه يجب أن يقوم المجتمع الدولي والمحلي، بالعمل على كشف الدور المشبوه الذي تقوم به بعض الدول تجاه التراث الأثري العربي، والعمل على إيقافه ومحاسبة تلك الدول طبقا للقوانين الدولية.

وتساءلت عن الدور المطلوب القيام به من المؤسسات الأهلية المحلية في الحفاظ على تراث بلادها.

Facebook Comments