يبدو أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “أراد أن يكحلها فأعماها” وفقا للمثل المصري، فقد نظم له رجاله جولة خارجية شملت حلفاءه الرئيسيين (الإمارات والبحرين ومصر) كما شملت تونس أيضا قبل توجهه إلى الأرجنتين للمشاركة في قمة العشرين يوم 30 الجاري، كانت الجولة تستهدف بالأساس تلميع صورته، والخروج من حالة الحصار التي يعيشها بعد افتضاح دوره في جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي يوم 2 أكتوبر الماضي في سفارة المملكة في إسطنبول.

إلا أن هذه الجولة فتحت بابا جديدا واسعا لمطاردة بن سلمان دوليا، ونقل المعركة إلى أماكن جديدة لم تكن وصلتها من قبل، فباستثناء الإمارات والبحرين تعرض بن سلمان لمواقف محرجة بلغت أشدها في تونس الثورة التي انتفضت ضد الزيارة بفعاليات متنوعة، كان أهمها إلى جانب المظاهرات الحاشدة تلك الدعوى التي رفعتها نقابة الصحفيين والتي سبقتها دعوى أخرى من فنانين ومثقفين ضد بن سلمان، وفي استجابة عاجلة أذن وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس لفرقة الشرطة العدلية بالمنزة لإجراء الأبحاث الضرورية في حق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهذه هي المرة الأولى التي تتم فها مطاردة قضائية لحاكم عربي في دولة عربية تجمعه بحكومتها علاقة ودية.

ذات دلالة كبيرة

ورغم أن القضية قد لا تفلح في القبض على بن سلمان لأنه غادر تونس سريعا، إلا أنها تظل عملا رمزيا ذا دلالة كبيرة، وللتذكير أيضا فقد ألغت الرئاسة التونسية المؤتمر الصحفي المشترك عقب لقاء بن سلمان مع السبسي تجنبا لحرج أسئلة الصحفيين، وفي مصر التي يحتفظ بن سلمان بعلاقة كفالة لحاكمها عبد الفتاح السيسي لم تشفع له تلك الكفالة في تجنب الغضب الذي تجسد في بيان لأكثر من مائتي صحفي من مختلف التيارات ومختلف المؤسسات، وكذا توقيعات لمئات الساسة والمثقفين الآخرين رفضا للزيارة، وصدور عدة بيانات من كيانات سياسية مثل الجبهة الوطنية المصرية والحركة المدنية المصرية وبعض القوى والأحزاب السياسية، لكن القمع الأمني حال دون خروج مظاهرات عارمة ضد الزيارة، في حين سمحت الأجهزة الأمنية فقط لبعض المجموعات المستأجرة للتظاهر دعما لبن سلمان وهي المجموعات ذاتها التي يتم إحضارها عند الطلب في كل مناسبة.

تبقى المحطة الأكثر حساسية وهي حضور بن سلمان لقمة العشرين في الأرجنتين يوم الجمعة(إذا لم يقرر الغياب)، حيث تتصاعد الاستعدادات لترتيب “استقبال مناسب” له سواء على الصعيد الشعبي، أو على الصعيد القضائي وهو الأهم حيث رفعت منظمة هيومن رايتس ووتش دعوى قضائية ضده أمام السلطات القضائية الأرجنتينية بتهم ارتكاب جرائم حرب في اليمن وقتل خاشقجي وتعذيب مواطنين سعوديين، ومن سوء حظ بن سلمان أن الدستور الأرجنتيني يقر مبدأ الولاية القضائية العالمية التي تسمح بالتحقيق في جرائم وقعت بعيدا عن الأراضي الأرجنتينية، وبغض النظر أيضا عما إذا تحركت التحقيقات سريعا، ووصلت إلى حد المطالبة بالقبض عليه أثناء حضوره القمة أم لا فإن مجرد رفع هذه الدعوى إضافة إلى الدعويين السابقتين في تونس ودعوى أخرى في باريس ستؤثر حتما على تحركاته الخارجية مستقبلا بعد أن تقطع التحقيقات في تلك الدعاوى شوطا، وصولا إلى مطالبة البوليس الدولي الإنتربول بالقبض عليه في أي مكان.

في تلك المحطة الأخيرة (حال تمامها وهو أمر مشكوك فيه) فإن اختبارا حقيقيا لقادة دول العشرين في الانتظار، فولي العهد السعودي أراد بمشاركته وسط هؤلاء الكبار للمرة الأولى وبعد فضيحة قتل خاشقجي تحدي المشاعر العالمية و”إبراز لسانه” لمعارضيه في الداخل والخارج، وأخذ اللقطة مع الرؤساء الكبار، كسرا للعزلة التي أحاطته بعد الجريمة التي لم تنته فصولا، ورغم أن بن سلمان ربما قدم مليارات الدولارات في صورة اتفاقات وصفقات مع بعض الدول المشاركة في القمة بغية تخصيص وقت ولو لمدة خمس دقائق مع رؤسائها خلال القمة، بهدف إبراز حفاوة مصطنعة به، إلأ أنه تعرض لضربة مفاجئة بإعلان مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون عن عدم لقاء ترمب به خلال القمة، وهو ما قد يمثل إشارة لبقية الرؤساء المشاركين باستناء الرئيس الروسي بوتين الذي أعلن أنه سيلتقيه فعلا.

رغم أن رجال الأمير رتبوا له هذه الجولة لإخراجه من حالة الحصار التي يشعر بها، ولإظهاره كمتحد لخصومه جميعا، إلا أن ترتيبات الزيارة تشي بأنها ليست طبيعية فلا أحد يعرف بالضبط مواعيد سفره إلى هذه العاصمة أو تلك أو العودة منها، وما هي المحطة التالية، على عكس الجولات الطبيعية التي تكون محددة ومعلنة المحطات والتوقيات سلفا، ويبدو أن الأمير ورجاله يخشون ترتيبات معاكسة داخل المملكة أثناء سفره تمنعه من العودة إلى الأبد، والمقصود هنا إحتمال ترتيب انقلاب عائلي حال غيابه عن القصر، كما حدث مع حكام آخرين من قبل، وهو ما دفع بن سلمان ورجاله لتنفيذ خطط أمنية صارمة للحيلولة دون هذا الإنقلاب في غيابه، ورغم كل هذه الاحتياطات الأمنية فإن الخوف يسكن الأمير الذي لم يستطع إعلان جدول جولته الخارجية بشكل كامل، كما أن هذه الاحتياطات ليست مانعا بشكل كامل من حدوث تحركات داخلية حال رغبت الأسرة الحاكمة في ذلك وفقا لما سبق أن نشرته وكالة رويترز من قبل.

يخطط بن سلمان من خلال جولته الخارجية ومشاركته في قمة العشرين لطي صفحة جريمته بحق الشهيد جمال خاشقجي وحرب اليمن واعتقال وتعذيب العشرات من المفكرين والعلماء والنشطاء، ولكنه يخطئ مجددا كما أخطأ عند ترتيبه لجريمة القتل، فالشعوب الحرة ومنظمات المجتمع المدني في كل مكان الآن أكثر تعاضدا في مواجهة جرائمه، ولن تتركه يهنأ، أو يفلت بتلك الجرائم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments