تأتي الحملة الأمنية الشرسة التي طالت، اليوم، الكاتب الصحفي هشام فؤاد، عضو نقابة الصحفيين والمدافع الاشتراكي عن حقوق العمال والفلاحين وعضو حركة الاشتراكيين الثوريين المصرية، من منزله فجرًا، وأيضا المحامي الحقوقي والناشط السياسي وأحد وجوه ثورة 25 يناير، زياد العليمي، ونحو 30 فتاة خلال الأيام الأخيرة، في توقيت بالغ الأهمية سياسيًا، كما تم اعتقال الباحث حسام مؤنس، والشيخ محمد عبد الله نصر الشهير بميزو.

إلى ذلك تم اعتقال الطالبة مودة أسامة (18 سنة)، بعد اقتحام منزلها لاعتقال والدها، عضو الهيئة العليا لحزب الاستقلال أسامة عبد العال العقباوي. وكان والدها غير موجود بالمنزل، فتم اعتقالها للضغط عليه لتسليم نفسه، وهو ما حدث بالفعل، حيث ذهب وسلم نفسه لجهاز الأمن الوطني، ولم يتم الإفراج عن ابنته حتى كتابة هذه السطور.

ومن بين الفتيات المعتقلات أيضًا تقوى ناصر (22 سنة)، المقبوض عليها من محطة مترو حلوان، منذ 13 يومًا خارج إطار القانون، ولم يستدل على مكان احتجازها، ولم تظهر في أي نيابة على ذمة أي قضية حتى كتابة هذه السطور.

وأكد محامون حقوقيون، القبض على 30 فتاة على الأقل خلال الأيام الماضية. وعلق محام حقوقي بالقول “أعتقد أن حملة القبض على البنات من البيوت وحبسهن خارج إطار القانون خلال هذا الشهر لم تحدث من 2013 من حيث عدد البنات المقبوض عليهن”.

كما يستمر اختفاء المهندس والباحث العمراني بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات- منظمة مجتمع مدني مصرية- إبراهيم عز الدين، لليوم الرابع عشر على التوالي منذ القبض عليه من أمام منزله بحي المقطم، مساء الثلاثاء 11 يونيو الجاري.

وإبراهيم عز الدين، هو باحث عمراني بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، حصل على بكالوريوس الهندسة قسم التخطيط العمراني من جامعة الأزهر.

بيان أمني

فيما جاء البيان الأمني الذي بثته داخلية الانقلاب، كاشفًا عن المخاوف التي تتحكم بنظام الانقلاب من أي خطوة اقتصادية تستهدف قوت الشعب المصري، الغاضب أساسا من ممارسات النظام القمعي.

حيث قال البيان: استهدفت الأجهزة الأمنية 19 شركة وكيانا اقتصاديا، تديره بعض القيادات الإخوانية بطرق سرية، حيث تقدر حجم الاستثمارات فيه بربع مليار جنيه، وتم ضبط المتورطين فى هذا الكيان، وعلى رأسهم زياد العليمى”.

هذا على الرغم من أنَّ زياد العليمي بعيد عن الإخوان بُعْد المشرق عن المغرب، فهو ناشط يساري معارض للإخوان المسلمين.

وبعنفوان الأمني الانقلابي الذي يصر على إدارة شئون البلاد بالغباء والقمع القسري، الذي يخنق كافة المسارات السياسية، أضاف البيان “وتمكن قطاع الأمن الوطني من رصد المخطط العدائى الذى أعدته قيادات الجماعة الهاربة للخارج، بالتنسيق مع القيادات الإثارية الموالين لهم، ممن يدعون أنهم ممثلو القوى السياسية المدنية تحت مسمى “خطة الأمل”، التى تقوم على توحيد صفوفهم، وتوفير الدعم المالي من عوائد وأرباح بعض الكيانات الاقتصادية التى تديرها قيادات الجماعة والعناصر الإثارية، لاستهداف الدولة ومؤسساتها، وصولا لإسقاطها تزامنا مع احتفالات 30 يونيو”.

يأتي ذلك على الرغم من أن تحالف الأمل هو تحالف سياسي ليبرالي بعيد عن الإخوان ولا يؤمن بما يؤمن به الإخوان، وينطلق من مشاركة الحياة السياسية في ظل نظام السيسي، حيث أُعلن عن تحالف الأمل في وقت سابق من قيادات ليبرالية ويسارية ومنتمين للتيار المدني والحركة الديمقراطية بهدف الاستعداد للانتخابات البرلمانية القادمة، المقررة نهاية العام.

وفي إطار رعب النظام من الإعلام البديل الذي أخذ موقعًا متقدمًا بالصدارة بعد تأميم الإعلام الحكومي والخاص والمستقل، الذي بات يمجد النظام ليل نهار في أروقة الأجهزة الأمنية والمخابراتية، ما أفقده شعبيته ومتابعيه الذين لجئوا إلى الإعلام البديل أو متابعة الإعلام الذي يبث من خارج مصر، جاءت اعتقالات عدد من الفتيات والشباب صغار السن، الذين تتهمهم قوى الانقلاب بأنهم من مثيري البلبلة، وهو ما ذهب إليه بيان الداخلية، بزعمه: “وكشفت معلومات الأمن الوطني عن أبعاد هذا المخطط، والذى يرتكز على إنشاء مسارات للتدفقات النقدية الواردة من الخارج بطرق غير شرعية، بالتعاون بين جماعة الإخوان الإرهابية، والعناصر الإثارية الهاربة ببعض الدول المعادية، للعمل على تمويل التحركات المناهضة بالبلاد، للقيام بأعمال عنف وشغب ضد مؤسسات الدولة فى توقيتات الدعوات الإعلامية التحريضية، خاصة من العناصر الإثارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التى تبث من الخارج”.

أهداف الحملة الأمنية

ومن خلال تحليل العقلية الأمنية الحاكمة وتطورات الواقع المصري المعاش، وملابسات الواقع السياسي، يمكن رصد عدة أسباب وأهداف يريد النظام الانقلابي تحقيقها.

ومنها:

1- استباق الزيادات المتوقعة في أسعار الوقود والكهرباء والمياه، مطلع يوليو المقبل، حيث سبق وأن حذرت “الحرية والعدالة” من اجتماع غامض للسيسي ورئيس وزرائه ووزير المالية البترول والمخابرات والداخلية، قالت عنه رئاسة جمهورية الانقلاب إنه لمتابعة الاكتشافات البترولية الجديدة، فيما اعتبرته “الحرية والعدالة” أحد وسائل الاستعداد لقمع الشعب المصري الغاضب من الزيادات المتوقعة، التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ نهاية الأسبوع الجاري، أو يوم الأحد المقبل مع بداية يوليو، بعد إقرار الموازنة الجديدة أمس.

حيث تشير تقارير استخباراتية إلى حالة غضب عارمة قد تضرب الشارع المصري، بسبب انعكاسات الزيادة في الوقود التي سيصل تأثيرها على كافة مناحي الحياة، ومن ثم استهدفت الاعتقالات عناصر يسارية ناشطة في الدفاع عن حقوق الغلابة والفقراء والمهمشين.

2- كما جاء عقاب الناشط زياد العليمي لمشاركاته الإعلامية مع قنوات الشرعية في تركيا، بعد أن سُدت في وجهه النوافذ الإعلامية المصرية، التي باتت جميعها في قبضة المخابرات، وجرى إدراجه مع الإعلاميين محمد ناصر ومعتز مطر في القضية الوهمية التي جرى الإعلان عنها اليوم، حيث يزداد غضب نظام الانقلاب من الدور الإعلامي الذي يلعبه كل من ناصر ومطر في كشف فساد وألاعيب العسكر في مصر.

3- كما تأتي الاعتقالات المسعورة الأخيرة والاستيلاء على 19 شركة، تقول عنها الداخلية إنها تابعة للإخوان المسلمين، كرد أمني على موقف الإخوان الرافض للاعتراف بالسيسي، والذي جاء ردًّا واضحًا من القيادات المعتقلة أثناء نظر قضية الرئيس الشهيد محمد مرسي، بالاعتراف بشرعية السيسي وفق الأمر الواقع.

حيث سُربت معلومات عن تقارير وأحاديث من قيادات الأمن الوطني جرى نقلها لبعض قيادات الإخوان المعتقلين، مقابل بدء تفاهمات يجري خلالها الإفراج عن قيادات الإخوان مقابل الاعتراف بالسيسي، وهو ما رفضه الرئيس الشهيد وقيادات الإخوان وعجل باغتياله، وهو ما يفسره أيضا استمرار اختفاء المعتقلين الذين كانوا مع الرئيس مرسي بقفص المحاكمة حتى الآن، بهدف التغطية على أية معلومات قد تتسرب من المعتقلين للمحامين، عن أسرار مقتل مرسي، ونتائج الضغوط التي يمارسها أمن الانقلاب عليهم.

4- إدراج 19 شركة جديدة تزعم الداخلية أنها تتبع الإخوان تحت التحفظ، يأتي للتغطية على الفضيحة التي مرت بلا ضجيج مؤخرا، بكشف التقارير المحاسبية عن فساد كبير داخل اللجان المختصة بالتحفظ على أموال الإخوان وشركاتهم وتبديد أموالها من قبل سلطات الانقلاب، وهو ما سعى الانقلاب العسكري للتغطية عليه باستدعاء رجال أعمال مقربين من الإخوان ومسئولين سابقين عن تلك الشركات في 4 محافظات للتحقيق معهم، بتهم تبديد الأموال رغم انقطاع صلاتهم بها منذ صدور قرار المصادرة.

وتقوم أجهزة أمن الانقلاب، وفي إطار مساعيها لمزيد من التنكيل برجال الأعمال والمستثمرين الذين كانت تربطهم صلات بالجماعة أو كانوا معروفين بقربهم سياسيًّا منها، بدأت فتح قضايا “تبديد” ضد عدد منهم في المحافظات المختلفة، بحجة أنهم تصرفوا في بعض أملاكهم بعد صدور قرار التحفظ عليها مطلع العام 2014، وهو ما يعرّضهم إلى عقوبات بالحبس بعدما وضعت الحكومة يدها على أموالهم السائلة والمنقولة والعقارية.

وقالت مصادر قانونية من دفاع المتهمين بتمويل جماعة “الإخوان”، في القضية الرئيسية التي تضم أكثر من 1589 متهما، من بينهم نجم كرة القدم السابق محمد أبو تريكة، إنه تم استدعاء مجموعة من المتهمين غير المحبوسين، في أربع محافظات، إلى مقار الأمن الوطني لإبلاغهم بفتح قضايا “تبديد أموال” ضدهم، بزعم أنهم تحدوا قرارات “لجنة أموال الجماعات الإرهابية” المسئولة عن التحفظ والإدارة والتصرف، وأنهم تصرفوا في بعض الأملاك الخاصة بهم ومحتويات العقارات المتحفظ عليها بين عامي 2014 و2016 على الرغم من عدم حدوث ذلك.

وأضافت مصادر، لوسائل إعلام عربية، أن جميع المتهمين انقطعت صلاتهم بالعقارات المُتحفظ عليها نهائيا بعد وضعها تحت إدارة وزارة التربية والتعليم (بالنسبة للمدارس)، ووزارة الصحة (بالنسبة للمستشفيات)، وهيئات حكومية أخرى بالنسبة للمتاجر والمصانع.

ورجحت أن يكون الهدف من فتح هذه القضايا التغطية على بعض المخالفات المالية الجسيمة التي وقعت من موظفي الحكومة المختصين بتنفيذ قرارات التحفظ، وذلك استعدادا لنقل ملكية الأموال والحاجيات المتحفظ عليها إلى الدولة بعد صدور أحكام المصادرة، المعروفة في القانون 22 لسنة 2018 بأنها “نقل ملكية إلى جانب الخزانة العامة”.

5- مصادرة العمل السياسي للتيار المدني، وجاءت اعتقالات اليوم في أوساط التيار المدني واليساريين لوقف التحركات السياسية وتأميمها جميعًا، ووقف نشاط ما يعرف بـ”خطة الأمل” الساعية لتوحيد قوى التيار المدني للمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، المقررة نهاية العام الجاري، ولا يريد نظام العسكر وجود أي منافسين محتملين له، في تأميم فج للحياة السياسية يهدد مصر بانفجار غير مأمون العواقب.

6- التغطية على خيانة نظام السيسي العسكري للقضية الفلسطينية ومشاركته في ترتيبات صفقة القرن، ومشاركة مصر في مؤتمر البحرين، حيث تعد مصر حجر الأساس في الصفقة التي تنقل الفلسطينيين لا محالة إلى سيناء، سواء كانوا عمالًا أو رجال أعمال أو مجنسين مقابل 10 آلاف دولار، كما أوضحت وثائق كوشنر خلال الأيام الماضية، مقابل حصول مصر على 9 مليارات دولار استثمارات تربط قطاع غزة بسيناء أكثر ما تربطه بالضفة الغربية.

Facebook Comments