تثبت كل يوم إجراءات وممارسات نظام عبد الفتاح السيسي في سيناء، من قتل وتهجير واعتقال وتخريب أراضي الفيروز، حقيقة التصريحات التي خلص إليها كاتب ألماني بارز، إلى أن اهتمام الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، بتنمية شبه جزيرة سيناء، شمال شرقي البلاد، كان أحد أسباب الانقلاب العسكري عليه من وزير دفاعه آنذاك عبدالفتاح السيسي، مقابل صفقة القرن، ما أعاد المنطقة لدائرة التهميش مجددا.

وقال راينر هيرمان، في تقرير سابق نهاية شهر ديسمبر الماضي ونشرته صحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» الألمانية، إن مجمل السياسات التي ينفذها نظام السيسي بشبه الجزيرة المصرية، تؤشر لإعداد هذه المنطقة لإقامة دولة فلسطينية فوقها، حيث يمثل إقامة دولة فلسطينية في سيناء بدلا من الضفة الغربية وقطاع غزة أساس «صفقة القرن» التي تتحدث التسريبات عن إبرامها بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) من جهة، وأطراف عربية من جهة أخرى.

وأكد هيرمان، أن تصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية الإسرائيلية «جيلا جامليئيل»، نهاية نوفمبر الماضي، عن سيناء كأفضل وأنسب مكان لإقامة دولة فلسطينية، “لم يكن عفويا”، ومثل تكرارا لحديث سابق وعدت فيه بمساعدات اقتصادية لمصر مقابل توطينها للفلسطينيين بسيناء، مضيفا أن تصريح الوزيرة الإسرائيلية يعني بوضوح أن «سيناء تعد مكانا بديلا للدولة الفلسطينية بدلا من الضفة الغربية التي تتوسع فيها المستوطنات اليهودية بشكل متزايد»، خاصة وأن إسرائيل تتمسك بالضفة التي تسميها «يهودا والسامرة» باعتبارها أرضا توراتية.

ونوه هيرمان إلى أن تصور الوطن البديل اكتسب زخما كبيرا بعد استخدام السيسي مصطلح «صفقة القرن» عقب مباحثاته في أبريل الماضي بالبيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأكد الكاتب أن تصديق السيسي على بيع جزيرتي «تيران وصنافير» المصريتين للسعودية مقابل أموال لنظامه، جعل مدخل خليج العقبة وميناء إيلات الإسرائيلي، بالمياه الدولية بدلا من المياه الإقليمية المصرية، وجعل السعودية تتحمل جانبا من المسؤولية عن سيناء.

وخطة توطين الفلسطينيين بسيناء قديمة وتعود إلى عام 2003، بصدور أول مطالبة إسرائيلية بتوسيع حدود قطاع غزة 50 كيلومترا لتصل إلى العريش، وفي العام التالي طالب سكرتير مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال «جيورا إيلاند» مصر بالتخلي عن 60 ألف كيلومتر مربع من سيناء لتوطين الفلسطينيين.

وذهبت شبكة «بي بي سي» البريطانية إلى أبعد من ذلك، بكشفها وثائق أظهرت أن الرئيس المصري المخلوع «حسني مبارك» وعد بتوطين الفلسطينيين بسيناء عام 1982، مشيرة إلى أن هذا العام شهد أيضا استرداد مصر آخر جزء احتلته (إسرائيل) من سيناء بعد حرب 1967.

ماذا فعل الرئيس مرسي؟

وكانت تنمية سيناء هو الشغل الشاغل للرئيس مرسي، الذي أعلن تنمية سيناء تنمية كاملة وشاملة بميزانية تقدر بـ4،4 مليار جنيه، واعتبر أن هذا حق قليل من حقوق أهلها، وتستهدف خطة التنمية جذب ثمانية ملايين مصري للإقامة والعمل في سيناء، بالإضافة إلى إنشاء محافظة ثالثة في منطقة وسط سيناء التي تتمتع بثروات معدنية وطبيعية كبيرة ويمكن إقامة مجموعة من الصناعات الكبرى فيها.
وعقب شهرين من تولي الدكتور محمد مرسي حكم البلاد، تحدث وزير المالية ممتاز السعيد في 11 أغسطس 2012، عن تسريع الإجراءات لدعم جهاز تنمية سيناء، وتوفير جميع الاحتياجات الأساسية وكوادر التنمية ولائحة العمل المنظمة له، مشيرًا إلى تخصيص 10 ملايين جنيه كموازنة تجارية للجهاز، وأنه يجري تخصيص موازنة استثمارية للجهاز.

إلا أنه وبعد الانقلاب العسكري، توقفت كل المشروعات التي رصدها الرئيس مرسي لتنمية وتعمير سيناء، والتي أكدت المعلومات بعدها أن السبب وراء توقف كل مشاريع تنمية سيناء هي وجود بنود سرية في اتفاقية كامب ديفيد تمنع مصر من إقامة أي استثمارات في سيناء إلا بعد موافقة إسرائيل.

وجاء توجيه الرئيس مرسي للحكومة لإعطاء الأولوية لسيناء، على عدة مسارات:

الأول: إحداث نهضة وتنمية حقيقية يشعر بها المواطن السيناوي، وإشراك المواطنين في القرارات المتعلقة بشؤونهم، وتلبية الاحتياجات الخاصة بهم، وفتح باب التملك لهم ولأسرهم حتى يشعروا بالانتماء لوطنهم.

والثاني: العمل على بسط الأمن، وتماسك الجبهة الداخلية بسيناء باعتبارها بوابة مصر الشرقية التي عبر منها كل الغزاة على مدار التاريخ، ورأب الصدع الموجود بين بعض المواطنين وقوات الشرطة والجيش، وتعاون سلطات الجيش والشرطة مع المواطنين لمكافحة عصابات تهريب السلاح والمخدرات والبشر.

والثالث: تنفيذ الخطة الدعوية والدينية والثقافية والاجتماعية التي وضعها الرئيس في برنامجه، وكذا الحكومة، بهدف إعادة بناء وجدان المواطن السيناوي، ودمجه في وطنه الكبير بعد شعوره بالاغتراب والتهميش لعشرات السنين، والتأكيد على اهتمام الدولة بحقوقهم التي حرموا منها، والتأكيد أيضا على أن برنامج الرئيس ينظر إلى أهل سيناء على أنهم الأولى بالرعاية والتنمية التي أهملتها الحكومات المتعاقبة كثيرا، وباعتبارهم حراس الوطن مع جيشه على حدوده الشرقية.

 

فرص عمل في سيناء

ووضعت الحكومة خطة لتوفير 9500 فرصة عمل بسيناء، وصدر قرار من الرئيس مرسي بإنشاء جهاز لتنمية سيناء، ومنحه من الصلاحيات ما يعينه على أداء المهام المنوطة به، واعتمدت الحكومة لائحته التنفيذية لينطلق في عمله.

وخرج رئيس الحكومة في مؤتمر صحفي بعد بداية عمل الحكومة بأسابيع ليقول إننا نخطط لعمل عدد من المشروعات الخاصة بتنمية سيناء، منها مشروعات للمياه والصرف الصحي، والمدارس، والوحدات الصحية، ورصف الطرق.

وقال سيتم تنفيذ بعض المشروعات كل شهر حتى يشعر المواطن السيناوي بأننا نعمل لصالحه.

وأضاف إننا نعد تخطيطا لما سيتم عمله في الأعوام القادمة، سواء المشروعات التي ستنفذها الحكومة، أو تلك التي سيتم طرحها على القطاع الخاص.

وضعت الحكومة بعهد مرسي خطة لتوفير 9500 فرصة عمل بسيناء، وصدر قرار من الرئيس مرسي بإنشاء جهاز لتنمية سيناء، ومنحه من الصلاحيات ما يعينه على أداء المهام المنوطة به، واعتمدت الحكومة لائحته التنفيذية لينطلق في عمله
وبدأت الحكومة في تنفيذ منطقة صناعية على مساحة أربعمئة ألف فدان، إضافة إلى توفير مساحة أربعمئة ألف فدان أخرى ضمن خطة الرئيس لاستصلاح مليون فدان، وقررت الحكومة تمليك مئتي ألف فدان منها للشباب السيناوي، ومئتي ألف لشركات الاستثمار الزراعي.

وشرعت الحكومة في وضع مخطط عام للتنمية السياحية في منطقة الطور ورأس محمد على مساحة قدرها 150 مليون متر مربع، وبدأت الحكومة في تنشيط دراسة إنشاء الجسر الرابط بين مصر والمملكة العربية السعودية، ودراسة إنشاء مطار مدينة رأس سدر بنظام “بي أو تي” (B.OT) لتشجيع الاستثمار، وإقامة ثلاث مناطق حرة في سيناء، إضافة إلى منطقة صناعية تضم مصانع للجبس والرمل الزجاجي والتعدين.

وقامت الحكومة بتذليل العقبات التي كانت تعترض أحد المشروعات في منطقة بير العبد، وهو مشروع الشركة المصرية للأملاح والمعادن (أميسال) برأسمال قدره 1800 مليون جنيه (مليار وثمانمئة مليون جنيه) لإنتاج بيكربونات الصوديوم بطاقة خمسمئة ألف طن سنويا، تلك الصناعة المهمة التي تخدم حوالي مئة صناعة أخرى، أهمها صناعات الزجاج، والمنظفات الصناعية، والصناعات الغذائية، ويوفر المشروع 13 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء سيناء.

إلا أن الانقلاب المشؤوم جاء ليعطل العمل في هذا المشروع وعشرات المشاريع الأخرى التي بدأت في عهد الرئيس مرسي، لتصبح سيناء أرضا خربة في إطار صفقة القرن التي جاء بها السيسي وحصل من خلالها على دعم أمريكا والكيان الصهيوني لتثبيت أركان انقلابه.

Facebook Comments