ساد اعتقاد لدى نخبة الحقوقيين في مصر والعالم أن الأمم المتحدة ليست المؤسسة التي تتسم بالنزاهة تجاه حقوق الإنسان، بعدما اختارت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان مصر التي تحتل المرتبة الرابعة عالميا في سجل التعذيب والقمع والاعتقالات لعقد مؤتمر إقليمي حول تعريف وتجريم التعذيب!

الحقوقيون اعتبروا أن سجل مصر الحقوقي الذي يسير من سيئ إلى أسوأ، فيما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان وخاصة في السنوات الست الماضية، واستضافة مؤتمر بهذا العنوان، يستحق السخرية من تطويع الولايات المتحدة في خدمة مصالحها والأنظمة الاستبدادية، وأكدوا أن عقد مؤتمر بهذا الشكل يعني استمرار التواطؤ الدولي حول انتهاكات حقوق الإنسان طالما أن الكيان الصهيوني مستمتع بذلك.

تأجيل المؤتمر

وعصر اليوم الثلاثاء راجعت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان أجندتها، فقررت تأجيل المؤتمر الإقليمي حول تجريم التعذيب الذي كان مقررا عقده في القاهرة يومي 4 و5 سبتمبر المقبل، بالشراكة مع المجلس القومي (المصري) لحقوق الإنسان.

وعن وضع سيئ للحريات وحقوق الانسان في مصر، أنتجت دويتشه فيله وثائقيا يشرح كيف ازدادت حدة انتهاكات حقوق الانسان في مصر منذ تولي السيسي منصبه قبل خمسة أعوام. وتشير التقديرات إلى وجود نحو 60 ألف معتقل رأي ومعارض في مصر. الانتهاكات شملت ايضا قمع التلاميذ لمجرد احتجاجهم على نظام الامتحانات.

أما الرئيس الفرنسي جون ماكرون فقال “في مصر، لا نتحدث فقط عن المعارضين السياسيين المسجونين، ولكن أيضا عن المعارضين الذين هم جزء من المناخ الديمقراطي التقليدي ولا يشكلون خطرا على النظام”.

ويتهم معارضو السيسي بأنه يضيق الخناق على جميع المعارضين، لكن المؤيدين يقولون إن الإجراءات الصارمة ضرورية لتحقيق الاستقرار في مصر، التي هزتها سنوات الاضطراب التي أعقبت سقوط مبارك.

المؤتمر الأممي

المؤتمر الذي كان سنتعقد في مصر من المؤكد بحسب مراقبين سيمنح السيسي المزيد من الجرأة على السير نحو الانتهاكات والقمع، لا سيما أنه كان حضوره بمشاركة 19 دولة عربية، ونحو 80 ممثلا لمؤسسات حكومية وغير حكومية.

محمد زارع مدير برنامج مصر في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أكد أنه لا يمكن أن تستضيف دولة التعذيب فيها منهجي مؤتمرا حول التعذيب. مضيقا أنه من الواجب مقاطعة مصر كمكان، أو النظام المصري، من استضافة أي محفل أو أي حدث له علاقة بحقوق الإنسان داخل مصر.

وأشار روبرت كولفيل المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان “إنه نوع اعتيادي تماما من المؤتمرات”. رغم أن “كولفيل” قال في فبراير الماضي إن “التعذيب منتشر في مصر”.

وسبق أن عبر مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه إزاء محاكمات أدت إلى إعدام 15 شخصا في مصر في نفس الشهر وقال إنها ربما تكون غير عادلة. وقال إن التعذيب ربما استخدم لانتزاع اعترافات.

وخلص تقرير لرويترز الشهر الماضي إلى إعدام ما لا يقل عن 179 شخصا في مصر من 2014 إلى مايو 2019 مقارنة بإعدام عشرة أشخاص فقط في السنوات الست السابقة لتلك الفترة.

وقال جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إن فكرة أن تستضيف مصر مثل هذا الحدث مزحة. مضيفا أن السخرية الأكثر أن هذا يتم عن طريق المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يقوم دائما بتلميع صورة الحكومة و”التواطؤ على حالة حقوق الإنسان”.

تقارير دولية

وتحت عنوان كتبت هيومن رايتس ووتش تقرير بعنوان “لماذا تهاجم مصر منظمات حقوق الإنسان؟”، وقال إن الهدف من السيسي وحكومته هو: تحييد حركة حقوق الإنسان في البلاد، وخلق بيئة يحكم فيها القادة دون مساءلة وتعتدي فيها قوات الأمن على المصريين دون عقاب. وأن ذلك يؤدي ذلك إلى حرمان المصريين من حقهم في مساءلة حكومتهم، وتعزيز الفساد المدمِّر، وتقويض الاستقرار اللازم لتشجيع استثمارات القطاع الخاص.

ومن مثار استغراب المؤتمر الذي كانت ستعقده مفوضية الأمم المتحدة في مصر هو ما قالته هيومين رايتس ووتش من أن استراتيجية الحكومة الهدامة، “تهدف إلى بث الشكوك في دوافع حركة حقوق الإنسان بأكملها مما يؤثر علينا جميعا. هذه الاستراتيجية مبنية على كذبة أن حقوق الإنسان غريبة على مصر، وأن الذين يروّجون لهذه الحقوق يعملون من أجل “أجندة أجنبية” خبيثة”.

عسكر قمعيون

ومنذ انقلاب العسكر على ثورة المصريين في 1952، واعتقالهم اللواء محمد نجيب وهو أول رئيس لمصري بعد إعلان الجمهورية، ودفع ثمن اعتراضه على بقاء العسكر “الضباط الأحرار” في السلطة بعزله من منصبه، وظل قيد الإقامة الجبرية بقصر زينب الوكيل بمنطقة المرج لمدة 30عامًا.

كما شهد عصر جمال عبدالناصر (1952: 1972)، أكبر حملة اعتقالات وإعدامات في صفوف “الإخوان المسلمين”،  

ويسير عبدالفتاح السيسي على خطى عبدالناصر فأعاد الحكم من ديمقراطية الثورة إلى نيران العسكر.

يقول الباحث د. عمرو حمزاوي كبير باحثين مركز كارنيجي انطبعت تجربتي منذ يوليو 2013 بتزايد القيود المفروضة علّ. وعارضت النداءات التي وجّهها الفرقاء العلمانيون إلى الجنرالات للتدخل في السياسة قبل الانقلاب، ووثّقت موقفي هذا في سلسلة من مقالات الرأي التي كتبتها بصفتي صوتا ليبراليا في ربيع 2013 المضطرب.

عارضت الانقلاب واتخذت موقفا ضد تخلّي العلمانيين عن المبادئ الديمقراطية. نتيجةً لذلك، وجدت نفسي أتعرّض إلى حملة في وسائل الإعلام الخاضعة إلى سيطرة الدولة بهدف تشويه سمعتي عبر نعتي بالخائن، ومُنِعت من تدريس العلوم السياسية في جامعة القاهرة، بناءً على توصية من الأجهزة الأمنية، وواجهت اتهامات وقضايا قانونية ملفّقة.

وقال: “يفرض السيسي سيطرته منذ الانقلاب، مستخدِماً التشريعات لإعادة تثبيت ركائز السلطوية في العلاقات بين الدولة والمجتمع. وسعت حكومة السيسي، عبر إقرارها قوانين وتعديلات قانونية قمعية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف: تقويض حرية التعبير والتجمع التي نص عليها دستور 2014؛ وإغلاق مساحة النشاطات العامة أمام المواطنين والفاعلين في المجتمع الأهلي والأحزاب والتيارات السياسية بعد فتح هذه المساحة لفترة وجيزة بين العامَين 2011 و2013؛ والتأكّد من احتفاظ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بصلاحيات مطلقة لا تخضع إلى أية سيطرة.
 

Facebook Comments