على طريقة “السيسي لا شريك له” التي يدير بها قمعه المتمدد لمصر، منذ الانقلاب العسكري…صعد السيسي ونظامه الانقلابي من حربه على المنظمات الاخلية منذ استيلائه على السلطة في مصر.

ومنذ إقرار السيسي لقانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017، الذي يستهدف تكبيلها وقمعها في 25 مايو 2017 ، والصدام بين المجتمع المدني وسلطة السيسي بشأن هذا القانون مستمر، بعدما تجاهلت السلطة ملاحظات المجتمع المدني التي وصفت القانون بــ «القمعي» و«المخالف» لنصوص الدستور.

وزاد من تفاقم الازمة واستمرار تعليقها، أن المدة الزمنية التي حددها القانون الجديد بشهرين لإصدار اللائحة التنفيذية لم يتم اصدار اللائحة خلالها، ومر أكثر من عام على صدور القانون، الأمر الذي أثار تساؤلات عدة حول مصير القانون وسر تأخر الحكومة.

وزاد الغموض قول المستشار منصف سليمان، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن “اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية الجديد لا تستطيع تعديل القانون”، ما يعني أنها لن تغير كثيرا في القيود الموجودة بالقانون.

إذ أن هناك آمال وتوقعات لبعض الحقوقيين بأنه سيتم التركيز على وضع قواعد ميسرة، وإجراءات منظمة للمواد التي يحتمل تفسيرها وتنفيذها بطريقة متشددة، فيما يؤكد آخرون أن اللائحة ستكون بمثابة تنفيذ لنصوص القانون المشددة أيضًا، ولن تختلف كثيرا عن القانون.

ويبدو أن تأخر اللائحة التنفيذية يرجع للرغبة الحكومية في الانتهاء من التحقيقات في قضية التمويلات الاجنبية لهذه الجمعيات والمنظمات المدنية، إذ لا يأتي ذكر اسم “قانون الجمعيات” إلا ويرادفه “قضية التمويل الاجنبي”، فكلاهما متلازمان، والثانية ظهرت بسبب رغبة الحكومة في تعديل الاول، وتقييد التمويل وتغليظ العقوبات.

وقد ظل القانون معطلا فترة طويلة لأسباب تتعلق بالضغوط الاجنبية لأن أغلب المنظمات تتلقي تمويلا من دول أوروبية وأمريكا، وإخراجه الان يبدو أن له علاقة بتغاضي أوروبا وامريكا بعد زيارات السيسي المتعددة لها عن ملف حقوق الانسان، مقابل مصالحها، وهو ما يفسره الفضائح الفرنسية الأخيرة اثر تصديرها معدات وأدوات عسكرية تستخدم في تعذيب المعتقلين والسجناء في مصر والتجسس على المعارضين.

وأكدت اللجنة المشكلة من مجلس الوزراء لإعداد اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية أنها انتهت من عملها في مارس الماضي، وأن الجمعيات الاهلية شاركت في صياغتها، ومن المقرر إحالة اللائحة لمجلس الوزراء خلال أيام، وهو ما لم يحدث، بحسب جريدة البورصة.

تداعيات كارثية

وعرقل تأخر الحكومة في إصدار اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية الجديد عمل هذه الجمعيات وأصابها بالشلل وأغضب العديد من هذه الجمعيات حتى أن أكثر من 12 جمعية ارسلت خطاب لرئيس الوزراء في سبتمبر الماضي تطالبه بسرعة إصدار اللائحة التنفيذية للقانون، لتيسير عمل المجتمع المدني.

ويمكن رصد أبرز الاضرار التي تعرقل عمل الجمعيات بسبب تأخر اللائحة التنفيذية فيما يلي:

1- القانون صدر فعليا ونشر في الجريدة الرسمية ما يعني أنه ملزم للجمعيات التي أصبحت مطالبة بالالتزام بنص القانون الذي فرض عقوبات تصل إلى السجن 5 سنوات، و«غرامات» تصل إلى مليون جنيه لكل من يخالفه، ولكن تأخر اللائحة التنفيذية التفسيرية للقانون جعلها مشلولة عن العمل، بعدما أصبحت ممنوعة من إجراء أي دراسة أو أي استطلاع من دون تصريح من الدولة، وعدم نشر نتائج هذه الدراسات والاستطلاعات إلا بإذن من الدولة كذلك.

2- بدون اللائحة تصبح جميع أنشطة الجمعيات خارج الخدمة، وتصبح أي جمعية بدون اللائحة التنفيذية حبر على ورق، وهيكل ميت لا يخدم المواطنين؛ نظرًا لغياب الغطاء القانوني لعملها.

3- اللائحة الداخلية التي تنظم عمل الجمعية باتت معلقة باللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية، والعمل باللائحة الداخلية القديمة يعرض اصحاب الجمعيات للسجن.

4- الخاسر الوحيد الذي يدفع ثمن تأخر هذه اللائحة التنفيذية هو المواطن الفقير المحروم، خاصة في الصعيد الذي يعاني نقص الخدمات الصحية والتعليمية، والذي يعتمد على هذه الجمعيات في توفير كفالات أو رعاية أو دعم شهري لأسرته وتوفير قروض صغيرة لهم لإقامة مشروعات صغيرة، في ظل ارتفاع معدلات البطالة.

تاريخ من القمع

ومنذ أمد بعيد تمارس السلطات المصرية، قمعا للجمعيات الاهلية والمنظمات، حيث تتوجس منها ، كما ان بعض اطراف السلطة المستبدة تعتبرها داعما لثورة 25 يناير 2011…

تعود وقائع قضية «منظمات المجتمع المدني»، إلى ديسمبر 2011، حينما اقتحمت السلطات المصرية مقرات عدد من منظمات المجتمع المدني الأجنبية وشكّلت لجنة للتحقيق في «قضية منظمات المجتمع المدني» التي انقسمت إلى شقين، أولهما تم تخصيصه للمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وهو الذي صدر حكم بصدده، أما ا[Forwarded from Amir Bola] لشق الثاني فيخص المنظمات المحلية، ولا يزال قيد التحقيق حتى الآن.

وفي 4 يونيو 2013، أصدرت محكمة الجنايات أحكامًا بالسجن في هذه القضية تتراوح بين عامين وخمس سنوات لـ 32 متهمًا في القضية، وسنة مع إيقاف التنفيذ لـ 11 آخرين.

كما قررت المحكمة حَل فروع المنظمات الأجنبية المتهمة في القضية وهي: المعهد الجمهوري الأمريكي، والمعهد الديمقراطي الأمريكي، ومنظمة فريدوم هاوس، ومنظمة المركز الدولي الأمريكي للصحفيين، ومنظمة كونراد الألمانية، وإغلاق جميع فروعها في مصر، ومصادرة أموالها وأوراقها بالكامل وجميع ما تم ضبطه بهذه الفروع.

ووجهت «الجنايات» للعاملين بالمنظمات الأجنبية تهمًا بتلقي الأموال من الخارج «بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها» وإدارة جمعيات بدون ترخيص.

ففي ديسمبر 2011، وجهت اتهامات إلى 43 من المصريين والأجانب، بينهم 19 أمريكيا، في 190 منظمة مصرية وأجنبية بتلقي معونات من بعض الدول الاجنبية بلغت 60 مليون دولار، من خلال 68 منظمة حقوقية وجمعية أهلية تعمل بمصر بدون ترخيص.

وفي مارس 2012 جري تسديد كفالة الـ 19 أمريكي بواقع 2 مليون جنية لكل متهم بإجمالي 38 مليون جنية، والسماح بسفرهم على طائرة خاصة رغم أنهم متهمين، ليظل المتهمون هم المصريون فقط الذين ينشط قاضي التحقيق المستشار هشام عبد المجيد، في القضية رقم 173 لسنة 2011، في التحقيق معهم حاليا مثل مسئولي مركز النديم لضحايا التعذيب، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وغيرهم.

وبحسب دراسة نشرها “الشارع السياسي” مؤخرا، فإنه منذ ذلك الحين قسمت القضية لجزئين: المنظمات الاجنبية (التي غادرت مصر) والمنظمات المصرية الاهلية المحلية التي لا يزال التحقيق فيها مستمرا حتى الان والتي كانت خاصة لقانون 84 سنة 2002 الذي جري تعديله ووضع مزيد من القيود الكبيرة عليها فيه.

وفي مارس 2016 أعيد فتح التحقيق في القضية رقم 173 لسنة 2011 الخاصة بالتمويل الأجنبي بعد غلقها 3 سنوات، وقصره على أشخاص ومنظمات مصرية، وصدر قرار قضائي بمصادرة أموال أربعة من الحقوقيين، ثم توالت قرارات المصادرة والمنع والسفر لعشرات الحقوقيين.

وبحسب تحليل مجريات الواقع، استخدم السيسي قانون الجمعيات ولائحته، كورقة ضغط ضد نشطاء حقوق الانسان في مصر، وخاصة في الفترة قبل مسرحية الرئاسة في 2018…وكذلك كورقة ابتزاز للغرب والشركاء الدوليين، الذين بات كثير منهم يتغاضون عن انتهاكات حقوق الانسان، كامريكا وألمانيا وفرنسا…وغيرها…

قيود خانقة

ومع القانون الجديد، بات لدي نحو 46 ألف جمعية أهلية ومنظمة غير حكومية قرابة عام واحد فقط (انتهت في مايو 2018) لتنظيم نفسها وفقا للقانون، أو مواجهة عقوبة بالسجن تصل إلى خمس سنوات، وهو ما يعرقله تأخير صدور اللائحة التنفيذية، وبعد تنظيم نفسها سيكون عليها الخضوع لسلسة قيود اخري في أحدث مؤشر على الحملة المتزايدة على أي معارضة للسيسي.

ويحدد القانون الكيانات المسموح لها بتأسيس جمعيات أهلية والأنشطة التي يمكن أن تعمل بها، ويلزم الجمعيات الأهلية بالحصول على موافقة مسبقة على أي تبرعات تتجاوز 10 آلاف جنيه (550 دولار)، وإذا لم تحصل الجمعية على الموافقة خلال 60 يوما يعتبر الطلب مرفوضا تلقائيا.

وإذا لم يتم إخطار السلطات عن تلقي تمويل قد يعاقب المسؤولون عن ذلك بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات وبغرامة تصل إلى مليون جنيه، كما يقصر القانون نشاط المنظمات غير الحكومية على الأنشطة التنموية والاجتماعية.

وسيكون المتضرر الاكبر من القانون وتأخير لائحته التنفيذية المنظمات الخيرية غير السياسية التي قيد القانون عملها أيضا في وقت تواجه فيه مشكلة في التمويل ومشكلة في تزايد اعداد المحتاجين بعد تعويم الجنية وتضاعف اسعار السلع.

فقد لعبت الجمعيات الخيرية دورا هاما في توفير الغذاء والملابس والرعاية الصحية والتعليم للمصريين حيث يعيش ملايين على أقل من دولارين في اليوم، بحسب الاحصاءات العالمية، وبات مصيرهم مجهولا، مع مصير هذه الجمعيات الملزمة بإبلاغ السلطات قبل جمع وإنفاق التبرعات ما عرقل عملها.

وجاء القانون متضمنًا 89 مادة، تشمل المواد التي وصفها معارضو القانون بـ «المصادرة للحق في العمل الأهلي»، حيث أبقى القانون على نصوص المواد: (13) التي تحظر على الجمعيات الأهلية ممارسة أي نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب أو النقابات المهنية أو العمالية أو ذات طابع سياسي أو يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة.

و(14) التي تلزم الجمعيات الأهلية بتنفيذ خطة الدولة في التنمية، وعرض استطلاعات الرأي التي تجريها على الحكومة، بالإضافة إلى المادة (88) التي تعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة، أو بالغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد عن 500 ألف جنيه، لكل من أجرى أو شارك في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل الأهلي دون الحصول على موافقات الجهات المعنية قبل إجرائها.

وكذلك المادة (70) الخاصة بتشكيل الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية ووجود ممثلي وزارات الدفاع والداخلية والمخابرات العامة ضمن أعضائه، كذلك المادة (75) التي تعطي لرئيس الجمهورية حق تعيين الأمين العام للجهاز وباقي أعضائه، إلى جانب المواد الخاصة بشروط تلقي التبرعات، وفتح مقرات للجمعيات في المحافظات.

وقالت منظمة العفو الدولية، إن القانون يفرض قيودًا شديدة لم يسبق لها مثيل على الجمعيات الأهلية، ومن شأنه أن يكون بمثابة حكم بالإعدام على جماعات حقوق الإنسان في البلاد، فيما أشارت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إلى أن القانون «سيدمر المجتمع المدني في البلاد لأجيال وسيحوله إلى ألعوبة في يد الحكومة».

المنع من السفر

وهناك قرابة 30 حقوقي جميعهم ممنوعون من السفر ومعظمهم ممنوع من التصرف في أمواله، ويتوقعون محاكمتهم قريبا، بعدما حقق القاضي المنتدب للتحقيق في القضية معهم، وتضمنت التحقيقات معهم اتهامات بتلقي مليارات الدولارات للتمهيد لثورة 25 يناير 2011، وإثارة الشعب على نظام الحكم القائم، وافتعال حالة من الفوضى حتى 30 يونيو 2013، في محاكمة واضحة لثورة يناير لا المجتمع المدني.

Facebook Comments