عجز الإسلاميون عن كتابة تاريخهم بأنفسهم؛ فتولى خصومُهم هذه المهمة، ثم نُصبتْ بعدها المعاركُ الحاميةُ التى كان دور الإسلاميين فيها هو الدفاع ومحاولة تفنيد ما كُتب، وهذا لا يفيد؛ ففى الحديث: «.. ويفشو الكذب»؛ إذ سرعان ما ينتشر (التاريخ!) الذى وضعه المدلِّس، وأنت مهما فعلت فلن تقنع كل القارئين أو المشاهدين بالحقيقة.

أقول هذا بعد متابعتى لمعركة قائمة الآن بين أحد الإعلاميين وشباب التيار الإسلامى، وقد خاص طرفاها فى أعراض بعض، ووجه كل طرف للآخر تهم الخيانة، والعمالة وتهمًا أخرى منقصة لأصحابها. ورأيى ألا نحجر على رأى، وألا نمنع الآخرين من التعبير، وفى حال التجاوز أو الكذب أرد على صاحبه بما أمر به الشرع وأقرَّته أعراف العالم المتحضر؛ بأن يأتى بالبينة، فإن أبى أقدم ما لدىَّ أنا من وثائق وأدلة، لا أن أضع نفسى فى هذا الموضع من الندية فى التنابز وتهافت الردود.

لماذا لا تكون البادرة لنا؟ لماذا لا ينفر من أبناء التيار الإسلامى طائفةٌ تتولى مهمة «التأريخ»؛ يكون فيها الكتَّاب والمؤرخون ومهرة الصياغة ومتخصصو هذا الفن المهم؟ ولا أظنها مهمة مستحيلة، ولا أظن التيار الإسلامى العريض يخلو من هذه الفئات، ولو حدث هذا لكُفّتْ عنا ألسنة وأقلام الكثيرين، ولوضحت القضية فى أذهان الملايين، ولظهرت الحقيقة أمام الناس جلية لا غبش فيها؛ بدل أن يسطو عليها من لا يرى لها أهلاً فيبدل فيها كما يريد.

لقد طالب العبد لله -فى مقال نشرته (الحرية والعدالة) أواخر عام 2012- بأن يكون لجماعة الإخوان «وحدة تاريخية» تسجل الأحداث التى غصَّت بها سنوات الثورة، وتوقعت –كما نرى الآن- أن تتبارى أقلام وألسنة كاذبة لنسف الحقائق وتشويه الوقائع، وأن تدس فيما تنشر ما يحسِّن صورة المجرمين ويشوِّه صورة الضحايا.. وإلى الآن لم أتلق ردًّا ولم أر استجابة..

وليتنا أخذنا العبرة من الماضى؛ إذ لما لم يؤرخ الإخوان الأحداث -بعد خروجهم من السجون- لعشرين سنة أعقبت انقلاب يوليو 1952 كانت مليئة بالوقائع المهمة -تُركتْ الساحة للعسكر وأذنابهم لتزييف التاريخ وقلب الحقائق حتى صار الإخوان -فى نظر الكثيرين ممن يجهلون حقيقتهم- إرهابيين، ولا يزالون -للأسف- يدفعون عن أنفسهم تلك التهمة -المدسوسة- إلى الآن.

صحيح كانت هناك جهود فردية سجلت بعض أحداث المحنتين دون تحليل أو استنباط دروس؛ لكنها لا ترقى إلى درجة «التأريخ»، إنما هى «ذكريات» أو «سير ذاتية» لبعض القيادات والمشاهير، لا تخلو من مواقف تربوية، وطرائف وسرد للمعاناة التى عاشها هؤلاء الدعاة المجاهدون داخل سجونهم.

أما ما يقال عن أحد هذه الأدبيات؛ وهو كتاب (الإخوان: رؤية من الداخل) والذى يقع فى ثلاثة مجلدات -إنه يؤرخ «رسميًّا» لتلك الفترة؛ فأراه عملًا متواضعًا، اجتهد صاحبه -جزاه الله خيرًا- فى بذل الطاقة لتلك المهمة التى أُوكلت إليه فأنجزها على هذه الصورة من البساطة، وقد كان المأمول أن يتكافأ مع مكانة الجماعة تاريخيًّا وسياسيًّا، ومع ما تضمه من كوادر متميزة من العلماء والباحثين والمختصين بشئون الكتابة والتدوين. ولقد فاتحنى ناشر الكتاب -قبل الثورة- فى تطويره لإخراجه فى طبعة جديدة، فأشرت عليه باختصاره، وأعلنت استعدادى لضم المجلدات الثلاثة فى مجلد واحد، لكنه لم يجبنى إلى هذه العزمة.

وتوقعت بعدما جرى من وقائع، منذ الثورة وما تلاها، مرورًا بالانقلاب وحتى مجزرة رابعة وأخواتها -أن يتم الإعلان عن كيان ينهض لهذه المهمة، مثلما أنشئت كيانات إعلامية عديدة، لكن لم نسمع عن شىء كهذا، ولم نر ثمرة ناضجة؛ إلا جهودًا فردية متواضعة نُسيتْ فى زحمة الأحداث- رغم الميسرات المتاحة لإخوة الخارج، ورغم تقدم وسائل الاتصال واحتفاظها بذاكرة تحصى كل شىء وتوفر الروابط والدعم الفنى بضربة زر، مهما كان الموضوع واللغة.

وإننا -والله- قد ظلمنا أنفسنا عندما لم نستفد مما جرى من أحداث لعرض قضايانا المصيرية أمام الدنيا كلها، والعالم -للأسف- لا يقتنع بالخطاب الإعلامى الانفعالى المشحون بالعاطفة، إنما يقنعه الكلام الموثق الموضوعى الموزون، وتقنعه الأعمال الفنية الراقية والصور الإنسانية التى تستمد مادتها من هذه الوثائق والمواد المتلفزة. وإذا كانت فترة الخمسينيات والستينيات فترة تعتيم وتغييب -فإنه لا عذر لنا الآن أمام هذا العالم المفتوح الذى صار -بالفعل- مثل قرية صغيرة، وأمام هذا السيل من تسجيلات الصوت والصورة وتطبيقاتها العديدة التى يمكن أن تنصف قضايانا وتدين المجرمين.

وإننى أكرر النداء -لعل وعسى-؛ كى ننجز شيئًا فى هذا الجانب، ولا زالت الذاكرة واعية، ولا زال أبطال الأحداث أحياء يُرزقون، ولو قعدنا عن النهوض بالمهمة فلن تبقى ذاكرة، ولن يبقى أبطال، وسيكتب لكم «بانجو!» التاريخ، وسيقررونه على فلذاتنا، وسيقرأ أحفادكم أن أجدادهم -أنتم- كانوا مجرمين.

Facebook Comments