سموم الأفعى

يقول الكاتب السلطوي الجديد: «على المستوى المادي الملموس لا توجد دلائل واضحة تشير إلى تواصل بين جمال مبارك والإخوان ، ولا أعرف ما إذا كان كلام زميلنا ياسر رزق يفهم منه أن “أجهزة” رصدت إشارات على تحرك ملموس أم أنها مجرد شكوك حتى الآن وتحذيرات مبكرة ، ولكن على المستوى الافتراضي فالمسألة ليست مستبعدة من جانب الإخوان تحديدا ، لعدة أسباب”.

وبعد هذه الفقرة مباشرة، راح كاتب العسكر الجديد يدس الأكاذيب والافتراءات، مدعيا أن الإخوان سبق وراهنت على جمال مبارك في سنوات مبارك الأخيرة زاعما أن المرشد محمد بديع والمرشد السابق مهدي عاكف تحدثا لمجلات وصحف مصرية بأنهم لا يمانعون في “توريث” السلطة لجمال ، إذا تقدم للشعب باختيار حر وانتخابات نزيهة!

كلام الكاتب السلطوي يحمل في طياته تناقضا مدهشا ومثيرا؛ إذ كيف يكون ذلك دعما للتوريث رغم أنهم علقوا ذلك على شرطين: الأول اختيار حر من جانب الشعب. والثاني، أن يكون عبر انتخابات حرة. أم كان يريد كاتب العسكر الجديد من الإخوان وقتها أن يعلنوا أنه لا يجوز لنجل مبارك الترشح من الأصل وحرمانه من حق دستوري أصيل رغم اختلافنا معه وعليه؟!

دس الأسافين!

أما السبب الثاني الذي ساقه «كاتب العسكرالجديد» الجديد” هو فشل رهان الإخوان على قوى المعارضة ؛ لأن الجماعة تسببت في تمزيق صفوف المعارضة وحتى المتحالفة معها من القوى الإسلامية! مرجعا ذلك إلى الأداء السياسي والإعلامي في الداخل والخارج ونشاطهم على صفحات التواصل الاجتماعي وتأكيد شكوك المعارضة المدنية ـ بشكل خاص ـ تجاه الجماعة ونواياها ومدى إيمانها بالديمقراطية والدولة المدنية ، فضلا عن أن تجربة حكم الجماعة القصيرة تركت أثرا لا يمحى عن الهلع والمخاوف من روح الهيمنة والإقصاء التي تتحرك بها والرغبة في ابتلاع الدولة والوطن!! كما فشل رهان الجماعة على المصالحة مع السلطة ما يدفعها إلى الرهان على جمال مبارك!

بالطبع يشعر القارئ بالغثيان من هذا الافتراء ذلك أن «كاتب العسكرالجديد» على خطى جميع كتاب السلطة “راح يكيل التهم الجزافية، فالكاتب نفسه كان ينتقد نظام الإخوان والرئيس المنتخب ثم يمضي إلى بيته نائما بلا خوف من اعتقال أو حجب لصحيفته أو تلفيق تهمة له من هنا أو هناك، فيد الأمن مغلولة عن التدخل في السياسة، وكانت جميع قوى المعارضة تمارس العمل السياسي بكل حرية دون خوف، فحرية التعبيير متاحة للجميع وحرية تكوين الأحزاب بلا عوائق، وحرية التظاهر مكفولة، والجميع يشارك دون إقصاء في الانتخابات النزيهة التي اعترف بها الجميع ومنهم «كاتب العسكرالجديد» الجديد نفسه، والبرلمان يعبر عن جميع الأطياف السياسية دون استثناء واللجنة التأسيسية للدستور ضمت الجميع دون إقصاء لأحد ورغم ذلك يتهم مثل هذا النظام الديمقراطي بأنه ضد الديمقراطية، بينما يشيد “كاتب العسكر الجديد” بما يسميها بالقوى المدنية التي حرضت المؤسسة العسكرية على المسار الديمقراطي ودعمت الانقلاب عليها!

فأي الفريقين نخشى على الديمقراطية والدولة المدنية منه، من كرسها ومارسها ولم يعرقلها وهو في الحكم أم من رفض نتائج الديمقراطية وانقلب عليها لأنها لم تأب به واستدعى الحيش للتدخل لأن الديمقراطية جاءت بخصومه من الإسلاميين؟!

ثم من أين جاء الكاتب بأن الإخوان يستجدون مصالحة من النظام الانقلابي؟ وما دليله على ذلك؟ فلو كان الأمر يتعلق بالصراع على السلطة لا بالمبادئ والقيم فإن الرئيس مرسي بكلمة واحدة منه يعترف فيها بشرعية الجنرال الدموي وانقلابه على الديمقراطية فسيخرج من المعتقل في التو والحال هو وجميع قيادات وعناصر الجماعة فلماذا لا يفعلون؟! وهل سأل “«كاتب العسكرالجديد» نفسه هذا السؤال؟ إنها المبادئ والقيم فاعتراف الجماعة بشرعية الانقلاب تعني تكريس الحكم العسكري لعقود أخرى وتعني مشروعية الانقلابات بحكم القوة فهل يعترف الإسلام بشرعية الانقلابات العسكرية على نظم الحكم المنتخبة؟ هذا هو سر صمود الرئيس مرسي وقيادات الجماعة.

ترويج الأكاذيب القديمة

السبب الثالث الذي ساقه «كاتب العسكرالجديد» هو تبني نفس خطاب المخابرات واتهام الجماعة بالبراجماتية منذ نشأتها والتي تجعل من تلك الفرضيات احتمالات قائمة بالفعل ، مدعيا أن الجماعة تمسكت بالحياد أمام دعوات 25 يناير ولم يعلنوا المشاركة إلا بعد ظهور قوة الحراك وأنه ثورة بالفعل ولها قدرتها على إسقاط النظام ، فهم يقلون عند الفزع ويكثرون عند الطمع ، والإخوان تحاوروا مع “الوريث” المؤقت لمبارك ، رجله القوى ونائبه المعين اللواء عمر سليمان أثناء مليونيات ميدان التحرير ، كما نسقوا بعد ذلك مع المجلس العسكري ، فالقاعدة التي تنتهجها الجماعة دائما تسير وفق المثل الشعبي “اللي تغلب به العب به”!

هذا الخطاب هو خطاب أمنجي بأمتياز، كانت تروجه أبواق العسكر قبل أن تغير بوصلتها بعد الانقلاب ضد ثورة يناير، فالإخوان شاركوا في 25 يناير ، كما أن البداية الفعلية للثورة هي في جمعة الغضب والتي كان الإسلاميون هم بطلها الأول، ثم في بقاء الاعتصام وتنظيمه ثم في معركة الجمل، يقفز «كاتب العسكر الجديد» على كل هذه الحقائق لكي يدعم منطقه الفاسد بالأكاذيب والأوهام والافتراءات.

وإذا كان دور الإخوان مشهودا في ثورة يناير وبات من المعلوم من الثورة بالضرورة ، فالمؤكد أن «أل سلطان» لم يكن لهم دور مطلقا خلال أيام الثورة الأولى،« وهم يعلمون ذلك»، ولم يظهر أي منهم إلا بعد خلع مبارك في بعض الجمع الشهيرة. أما بشأن التحاور مع عمر سليمان فقد كان اللقاء بحضور جميع القوى السياسية والشبابية وحتى ائتلاف شباب الثورة؛ فلماذا اختص الإخوان بذلك دون غيرهم إلا لحجب كامل الحقيقة وباقي المشهد وهو أسلوب الضعفاء عندما يفتقدون إلى الدليل والبرهان على أكاذيب باتت لا تنطلي على أحد؟، وحول التنسيق مع المجلس العسكري فإنه تنسيق من أجل الديمقراطية ولم يكن أبدا ضد الديمقراطية ولم يحدث انهيار للديمقراطية إلا عندما نسقت ما تسمى بالقوى المدنية مع المجلس العسكري، فجرى انقلاب 30 يونيو المشئوم.

الغريب أن الإخوان وجل قيادتهم بين شهيد ومعتقل ومطارد ومهاجر، وعشرات الآلاف من شبابهم في السجون والمعتقلات وتصادر أموالهم وشركاتهم يصفهم «كاتب العسكر الجديد» بأنهم « يقلون عند الفزع ويكثرون عند الطمع» ورغم ما ذكرناه من حقائق عن دور الإخوان في ثورة يناير!. فهل بعد ذلك من عمى وانعدام في البصيرة؟

وينتهي «كاتب العسكر الجديد» إلى الترويج لهدف الأكبر الذي تتضمنه جميع مقالاته الأخيرة، بأنه «لا أحد في مصر الآن يفكر في بدائل من الماضي ، لا الإخوان ولا مبارك وأولاده ، تلك صفحات من الماضي طويت ، وعلى الجميع أن يستوعب هذا الدرس ، وأن يشتري وقته ووقت الوطن أيضا»، وهي دعوة صريحة للاستسلام وتكريس حكم العسكر وهي خلاصة مقال “كاتب العسكر الجديد”.