دأبت السلطات المصرية خلال الأسابيع الأخيرة إلى اللجوء إلى بعض المؤشرات الاقتصادية للبرهان على نجاح برنامجها الاقتصادي، مثل معدل النمو المرتفع ومعدل التضخم المنخفض ومعدل البطالة المتراجع، لكن الغالبية من المصريين سواء من الموظفين أو العاملين بالقطاع الخاص أو حتى من التجار، لا يشاركون السلطات فى برهانها، بل يؤكدون أن الأحوال المعيشية تزداد صعوبة.

وكانت الحكومات الأخيرة بعهد مبارك قد نهجت نفس النهج بإعلان مؤشرات إقتصادية جيدة، بينما حال غالبية المصريين لا يشعر بتلك المؤشرات، ما دعا بعض الاقتصاديين الى إطلاق مقولة "الناس لا تأكل مؤشرات اقتصادية"، بمعنى أن الناس يهمها أن تكون أسعار السلع الأساسية فى حدود استطاعتها، وكانت النتيجة ثورة الخامس والعشرين من يناير، وإزاحة نظام تلك المؤشرات الاقتصادية المُحسنة.

ومؤخرا أعلنت السلطات المصرية نتائج معدلات الفقر، مُعلنة بلوغ خط الفقر القومى 736 جنيها شهريا، باعتباره المبلغ الكافى لغذاء وملابس وسكن وإنتقالات وصحة وتعليم الفرد شهريا، وأن من تقل دخولهم عن هذا الرقم فهم فى عداد الفقراء، وأن حد الفقر المدقع أى الذى يكفى للطعام فقط 491 جنيها شهريا.

واعتبر المصريون تحديد الحكومة الرقمين بمثابة استخفاف بعقولهم، حيث أن سعر أقل طبق كشري كوجبة شعبية يصل عشر جنيهات، ولا يكفى طبق واحد للفرد بوجبة الغداء، ما يعنى حاجته إلى ثلاثين جنيها على الأقل لتناول طبق كشري بالوجبات الثلاثة.

كما وصل سعر قرص الطعمية (الفلافل) جنيهان، وبما يعنى أن تدبير قرصين من الطعمية ورغيفين لكل وجبة يحتاج خمس جنيهات، وهذه أيضا تزيد تكلفتها الشهرية عند حد الفقر، وبعد أن تحول الكثيرون من شراء علب الدواء الى شراء شريط واحد فقط من تلك العلبة، انتشرت فى الريف ظاهرة شراء نصف شريط من الدواء.

معاشات أقل من خط الفقر

كما زعمت الحكومة أن نسب الفقر قد تراجعت ببعض المحافظات ما بين عام 2015 وعام 2018، وذلك بسبب معاشات تكافل وكرامة والضمان الاجتماعى التى وفرتها للفقراء، فبينما بلغ عدد المستفيدين من برامج تكافل وكرامة والضمان الاجتماعى حسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعى 3.1 مليون شخص.

وباعتبار هذا الشخص عائل لأسرة، فإن عدد الأسر الفقيرة حسب نسبة الفقر المُعلنة مؤخرا والبالغة 32.5 بالمئة، بلغ 7 مليون و964 ألف أسرة، أى أن هناك 4 مليون و864 ألف أسرة لا تحصل على معاشات الفقراء.

ومن ناحية أخرى، فإن المبالغ المقررة لتلك المعاشات تقع كلها تحت خط الفقر الرسمى المُعلن، ما يعنى أنها مبالغ لم تخرج تلك الأسر من نطاق الفقر كما زعمت السلطات، فمعاش التضامن الاجتماعى قيمته للفرد من الأرامل والمسنين 323 جنيها شهريا.

وتزيد قيمته للأسرة المكونة من فردين إلى 360 جنيه، وللأسرة المكونة من ثلاثة أفراد إلى 413 جنيه، وللأسرة المكونة من أربعة أفراد فأكثر 450 جنيها، وهى مبالغ ثابتة منذ عام 2014 رغم الزيادات المتكررة بسعر الوقود والكهرباء والمياه والطعام والخدمات.

أما معاش كرامة المخصص للمسنين والمعاقين فيبلغ 450 جنيها بعد زيادته مائة جنيه قبل عام، بينما معاش تكافل يبلغ 325 جنيه شهريا للسيدة التى لديها أبناء، مع حصول الأبناء على مبالغ رمزية شهرية بحد أقصى ثلاثة أبناء بالأسرة، وسيتم خفضها إلى ابنين فقط من الشهر القادم، مع قيام عدة وزارات بمراجعة الحالة الاقتصادية للأسر التى تصرف تلك المعاشات لاستبعاد من ترى عدم أحقيته، مثلما حدث باستبعاد 300 ألف أسرة منهم خلال العام الحالى.

انخفاض التضخم رغم زيادة الوقود

أما الزعم بانخفاض معدل التضخم إلى 7.8 بالمئة بشهر يوليو الماضى، وهو الشهر الذى شهد زيادة أسعار الوقود وبعض الخدمات الحكومية فيعد أمرا عجيبا، فى ظل قيام وسائل المواصلات الخاصة والحكومية برفع أسعارها فى نفس يوم رفع سعر الوقود، وكذلك فعلت الكثير من الشركات بأسعار منتجاتها وخدماتها لتغطية زيادة أسعار الوقود والكهرباء.

ويجيء الإعلان عن انخفاض معدل البطالة إلى 7.5 بالمئة بشهر يونيو الماضى، بعد الإعلان عن انخفاضه إلى 8.1 بالمئة فى مارس من العام الحالى، وهو أمر يتنافى مع الركود بالأسواق وتخلص كثير من الشركات من جانب من عمالتها، بل وإغلاق بعض المنشآت أبوابها بسبب الركود.

وهكذا أصبحت مصر حسب البيانات الرسمية أفضل حالا من فرنسا التى بلغت البطالة بها فى يونيو الماضى 8.7 بالمئة، ومن إيطاليا التى بلغت بها 9.7 بالمئة وأسبانيا البالغ معدل بطالتها 14 بالمئة واليونان البالغ معدل بطالتها 17.5 بالمئة فى يونيو الماضى، بل وأفضل من السعودية التى يدور معدل بطالتها حول الـ12 بالمئة.

وحتى مع الزعم بأن المشروعات القومية قد استوعبت تلك العمالة فإن تراجع مبيعات الأسمنت خلال السنوات الأربعة الأخيرة، إلى جانب أن غالبية فرص العمل التى توفرها تلك المشروعات القومية مؤقتة، مثلما جرى مع العاملين فى حفر التفريعة السابعة لقناة السويس عام 2015، كذلك يغلب على العمالة بالقطاع الخاص العمل كأفراد أمن أو عمالة مبيعات بمحلات السوبر ماركت والمولات التجارية، وبأجور زهيدة تصل إلى 1200 جنيه شهريا و1600 جنيه.

لكن الإحصاءات الرسمية التى تقيس البطالة بشكل فصلي من خلال عينة تصل إلى 20 ألف أسرة، تعتبر كل من يعمل ساعة بالأسبوع مشتغلا وليس عاطلا، وبالتالى فإن تلك العمالة المؤقتة والموسمية وغير المنتظمة تعد من بين المشتغلين لديها.

كما أن المزاعم التى ترددها السلطات فى مؤتمرات الشباب وغيرها عن توفير المشروعات القومية خمسة ملايين فرصة عمل، لا تؤيده بيانات جهاز الإحصاء الرسمى، حيث بلغ عدد المشتغلين فى يونيو 2014 نحو 23 مليون و917 ألف مشتغل، وهو الموعد الذى من المفترض أن المشروعات القومية بدأت بعده، بينما بلغ عدد المشتغلين فى مارس من العام الحالى 25 مليون و701 ألف مشتغل، أى بفارق 1 مليون و784 ألف مشتغل، فى كل القطاعات الخاصة والحكومية.

والأخطر من ذلك أن عدد المشتغلات من الإناث قد انخفض بنحو 730 ألف مشتغلة خلال فترة تلك المشروعات القومية، أى ما بين يونيو 2014 حين بلغ عدد المشتغلات 4 مليون و821 ألف مشتغلة، وبين مارس 2019 حين بلغ العدد 4 مليون و91 ألف مشتغلة حسب البيانات الرسمية!

 

Facebook Comments