يبدو أن تفشي فيروس “كوفيد ـ19″، المعروف بكورونا، يعيد تشكيل وهندسة النظام العالمي على أسس جديدة؛ فالفشل الذي يلاحق إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة انتشار فيروس كورونا يمنح الصين فرصة الصدارة، التي يبدو أنها تستغل الفرصة أشد استغلال لإزاحة الولايات المتحدة من مكانتها كأقوى قوة دولية لتحتل هي الصدارة.

يعزز من هذه القراءة أنه في بداية مارس 2020م، ناشدت إيطاليا دول الاتحاد الأوروبي الأخرى توفير معدات طبية للطوارئ، بما أن النقص الحاد أجبر أطباءها على اتخاذ قرارات مفجعة بشأن فئة المرضى الذين سيحاولون إنقاذهم والفئة التي سيتعيّن عليها مواجهة الموت، ولم تستجب أي دولة أوروبية، لكن الصين استجابت وعرضت إرسال أجهزة تنفس اصطناعي وأقنعة وبزّات واقية، بالإضافة إلى الماسحات.

وبحسب راش دوشي وجوليان غيورتس، الخبيرين في الشأن الصيني، فإن بكين تسعى إلى تقديم نفسها كقائد في المعركة العالمية ضد الفيروس الجديد؛ لتأكيد نيّاتها الطيبة وتوسعة نطاق تأثيرها.

وهذا أمر غريب بالنسبة لإدارة ترامب التي كانت بطيئة في الاستجابة للفيروس الجديد، والتي تعتقد أن حظر السفر إلى أوروبا هو أفضل دفاع ضد المرض الذي بدأ يتفشى بالفعل على أراضيها. وبعيدا عن كونها مزودة عالميا للسلع العمومية، فإن الموارد الأميركية شحيحة بما لا يُمكّنها من توفير شيء للدول الأخرى.

ومما يزيد الأمور سوءًا أن أمريكا قد تجد نفسها عما قريب تتلقّى الصدقات الصينية، حيث عرض “جاك ما”، الملياردير الصيني والمؤسس المشارك لموقع “علي بابا”، التبرع بنصف مليون عدّة اختبار ومليون قناع طبي.

“الوباء يزحف غربا”

وبحسب صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، فإن هذه التحولات بدأت مع زحف الوباء ناحية الغرب، حيث باتت أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية هي مركز انتشار الوباء؛ فالموت يتزايد في إيطاليا وإسبانيا ونيويورك وبريطانيا، والوباء يزحف غربًا”.

يقول التقرير، إن عدد الوفيات بسبب وباء كورونا تزايد بشكل سريع، الجمعة، في أبرز مؤشر حتى الآن على أن بؤرة الوباء العالمي قد انتقلت من آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة، حيث سجلت إيطاليا أعلى عدد وفيات في يوم واحد منذ بداية الوباء في الصين، بتسجيل 919 وفاة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

ويوضح التقرير أن هذا أصاب المسئولين في إيطاليا بالإحباط، بعدما كانوا يسعون إلى تقليل عدد الوفيات بإغلاق البلاد بشكل تام خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، لكن ذلك لم يحدث، وارتفع عدد المصابين بنسبة 7.4 في المئة خلال يوم الجمعة، ليصل عدد المصابين في البلاد إلى أكثر من 86 ألف مصاب، لتحل إيطاليا في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الإصابات المؤكدة.

ويشير التقرير إلى أن المسئولين الإيطاليين طالبوا الاتحاد الاوروبي باتخاذ تدابير مشتركة لمواجهة الوباء، كما طالب نظراؤهم الإسبان بنفس الأمر، معلنين تخوفهم من أن الأوضاع في إسبانيا قد تصبح أسوأ مما يحدث حاليا في إيطاليا.

ووفقًا للصحيفة البريطانية، فإن إدارة ترامب استخدمت الوباء للتنصل من الاندماج العالمي؛ في الوقت الذي تستخدم فيه الصين الأزمة لإظهار عزمها على قيادة العالم بصفتها البلد الأوّل الذي تعرّض لضربة فيروس كورونا، فقد عانت الصين بشدّة على مدار الأشهر الثلاث الفائتة، لكنها تتماثل للتعافي في الوقت الحالي الذي يشهد استسلام بقية العالم للوباء.

ويفرض ذلك مشكلة على المصنعين الصينيين الذين بدأ العديد منهم بالنهوض مجددا، لكنهم يواجهون ضعف الطلب من الدول الواقعة في الأزمة، غير أن ذلك يمنح الصين فرصة قصيرة المدى للتأثير على سلوك الدول الأخرى. فبرغم الأخطاء المرتكبة في البداية والتي من المُرجَّح أن تُكلِّف آلافا من الأرواح؛ تعلّمت الصين كيف تكافح الفيروس الجديد، كما أنها تمتلك مخزونا من المعدات وهي أصول قيّمة وظّفتها الصين ببراعة.

وأمام هذه التحولات التاريخية، يبقى العرب هم النقطة الأضعف عالميا التي تسيل لها لعاب جميع القوى الاستعمارية من الغرب إلى الصين؛ فهل يستعد العرب لحقبة جديدة من الاحتلال بنكهة صينية تواصل استنزاف ثرواتهم وتدمير أوطانهم وذبح شعوبهم كما تفعل في المسلمين الإيجور؟.

على الأرجح فإن ذلك قائم إذا بقيت هذه النظم الحاكمة، ويمكن أن تمثل هذه التحولات نقطة انطلاق إذا تمكنت الشعوب من إزاحة النظم المستبدة وتكوين نظم حكم رشيدة تمازج بين الأصالة والمعاصرة، وتقوم على الإلهام روح التراث، مع الأخذ بأسباب القوة ومعطيات العلم الحديثة.

Facebook Comments