في الوقت الذي يمارس فيه الانقلاب أبشع أنواع البطش بمعتقلين لا حول لهم ولا قوة، ويدّعي الضباط بأن نظام السيسي مستقر ولا خوف عليه، واصل ياسر رزق “هيكل مرحلة الغبرة الحالية”، أكاذيبه لتخدير المصريين، والتي كشفت ضمنا عن عمق الأزمة التي يعاني منها قائد الانقلاب.

ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، كتب يزعم أن رسائل عبد الفتاح السيسي للمؤسسات السياسية والدينية والإعلامية، تكشف أنه بصدد القيام بخطوة إصلاحية جديدة، أو الانتقال إلى مرحلة تالية على طريق الإصلاح السياسي!.

ولكن “هيكل الغبرة” تحدث عن هذه الإصلاحات بأنها ضرورة لبقاء السيسي إلى ما بعد 2024، أو يتولى أي عسكري الحكم لا “مدني”!، ومع هذا كشف ضمنا عن حجم الضغوط التي يواجهها قائد الانقلاب من قبل الشعب، وطلب ألا يجري تحميله وحده “شيلة” الهموم في مصر، ودعا الوزراء ونواب الانقلاب لشيل الشيلة (أي النقد) مع السيسي.

رزق قال في مقاله: “نظام الحكم .. وإصلاح النظام السياسي”: “قلبي يحدثني وقلما يخدعني، بأن هناك تغييرات كبرى قادمة، ولست أعني مجرد تغيير وجوه، فالمسألة ما كانت تتعلق أبدا بأشخاص، وما كانت تتعلق أبدا بقرار يصدر في يوم أو قرارات تعلن في بضعة أيام!”.

وتحدَّث عن أن التغيير الوزاري القادم قد يشهد 10 حقائب وزارية، ضمن سعي قائد الانقلاب للإيهام بالتغيير، بينما الحقيقة أنه يريد الإيهام بأنه غيّر وزراء مسئولين عن معاناة الشعب التي هو سببها لا أحد غيره.

“هيكل السيسي” زعم في لقاء آخر مع أحمد موسى: “إذا لم يترشح السيسي في انتخابات 2024 فليس أمامنا سوى المؤسسة العسكرية”!، بدعوى أنه ليس لدينا نظام سياسي قوي ومستقر، والأحزاب ضعيفة وليس لها أرضية جماهيرية!.

وزعم رزق، المقرب من السيسي، أن “الشخص المنتمي للقوات المسلحة بإمكانه أن يحوذ ثقة كافة المؤسسات، وهو ما فقده (الرئيس الشهيد) محمد مرسي، لذلك سقط رغم أن خلفه تنظيم كبير لديه مليشيات تقمع الآخرين، ولم تستطع مساندته ودعمه”، بحسب أكاذيبه.

ويعتبر ياسر رزق، السيسي هو الحاكم الأوحد الذي يجب أن يستمر حتى يموت، وأنه لا يجب أن يحكم مصر سوى عسكري فقط، سواء السيسي أو غيره، ولذلك يدعي أن “القوات المسلحة هي الوحيدة القادرة على إنتاج كوادر مؤهلة لشغل منصب رئيس الجمهورية”، ثم يدعي أن هناك إصلاحات قادمة!.

ماذا يعني كلام ياسر رزق؟

الكاتب الصحفي محمد الجارحي كتب يقول، عبر حسابه على فيس بوك: إن الخلاصة من كلام ياسر رزق التي لم يقلها صراحة في مقاله وحواره هي إن “لازم حد يشيل الليلة مكان السيسي، مش كل حاجة تبقى على دماغه”!! في إشارة للضغوط والغضب الشعبي.

وقال: “ياسر يريد برلمان وحكومة ينزلوا يختلطوا بالناس ويصدوا شوية الهجمات اللي بتيجي على رأس السيسي ويقول لناس معلش اصبروا شوية الإصلاح جاي!”. متابعا أن” ياسر يريد من خطباء المساجد والأئمة يكلموا الناس ويشرحوا ويدافعوا عمن في السلطة ويشيلوا شوية في الشيلة”!.

وقال ياسر رزق: إن هناك مرارة في الحلق (عندنا!) من مؤسسة دينية، ولم يسمِ المؤسسة، ولكن مفهوم ضمنيا أنه الأزهر الشريف، بسبب بيانه الشهير عن حقن الدماء في ٢٠١٣ ومواقف شيخ الأزهر الأخيرة، مثل تحذيره من الظلم وسفك الدماء أمام السيسي في احتفال المولد النبوي الأخير.

وتحدث “رزق” باستفاضة عن الإعلام، وقال نصًّا: “إن السيسي تربيته الفكرية (ليبرالي)”، ما يعني أن “رزق” يأكل بعقل المصريين حلاوة؛ لأن قائد الانقلاب قال بنفسه “ما تسمعوش كلام حد غيري”، وحين وقف نائب مرة يطالبه بحد أدني للأجور 3 آلاف جنيه “شخط فيه وقاله إنت دارس اللي بتقوله دا؟”، وحين نقل له أستاذ من جامعة سيناء غضب الناس هناك “كان هياكله”، فكيف يزعم الصحفي المنافق المتحدث باسم الانقلابي أنه “ليبرالي”؟.

أيضا قال ياسر إن الدولة لا تريد عمل انتخابات المحليات حتى لا يتسلل إليها الإخوان!، فهل هو يصدق نفسه؟ فقد جرت انتخابات البرلمان وانتخابات الرئاسة ولم تترشح نملة واحدة، ولا نجحت بغير إذن الانقلاب، كما يقول الصحفي محمد الجارحي ردا علي ياسر رزق.

موبايل سامسونج وجروب “واتس آب” للتعليمات

واعترف ياسر رزق بما قيل عن وجود تعليمات للصحف والصحفيين (تصلهم عبر موبايل سامسونج المخابرات وجروبات أمنية) يكتبون بموجبها قائلا: إن “الإعلام بقى ملكي أكتر من الملك”، وفي نفس الحوار قال “إن في كل العصور فيه ناس ديكتاتوره وبتكره الإعلام.. وإن فيه تعليمات بتيجي والناس بتتشدد في تنفيذها!”، وهو ما يعني أنه يعترف بأن “فيه تعليمات”.

ومن طرائف حواره مع أحمد موسى، أن الاخير اعترض على كلام ياسر، وزعم أنه عمره ما جاله تعليمات، فنظر رزق في الأرض، وقاله “أنا مش قصدي عليك إنت يا أستاذ أحمد”!، ثم حاول التخفيف من كلمة (تعليمات) بطريقة أو بأخرى، “وطلع العيب في رئيس التحرير اللي بيقولوا له خف على فلان ولا شد على فلان”.

وعاد رزق للحديث عما قاله السيسي من قبل عن دمج الأحزاب، وذكر حزب الدستور والمصري الديمقراطي والتيار الشعبي والكرامة قائلا: إنهم يجب أن يندمجوا مع بعض، وتكلم عن جبهة الإنقاذ وأنها “ما كانش المفروض تنحل وتبقى هي البديل السياسي للقوات المسلحة”، برغم أن من بها تم البطش بهم أيضا، بعد تمكين الانقلاب وسجن غالبية المنتمين لها فكريًّا.

وكشف محمد الجارحي عن أن “أرقام توزيع الصحف الكبرى لا تتجاوز الآن ٣٠٠ ألف نسخة مطبوعة وليست موزعة، والناس انصرفت عنها وعن إعلام الحكومة لأن “كله شبه بعضه”، وانصرف الناس وذهبوا لمشاهدة “قنوات الإخوان واليوتيوب”.

محجوب عبد الدايم العصر

ويحاول ياسر رزق كعادته- باعتبار أن دوره الجديد هو “صحفي السيسي” أو “محجوب عبد الدايم صحافة العصر”- تجميل صورة السيسي وإظهار أنه ليس المسئول عن التدهور، بل الحكومات والبرلمان والصحافة، برغم أنه هو من اختار البرلمان، وهو من اختار الحكومة، ومن اختار الإعلام، وهو من يعطي الأوامر، وهو من يمنح العطايا، وهو من يقيل، وهو من يقلد، وهو من يفكر لهم ويفرض على المصريين كلهم ما يريد، وهو من يبني القصور!.

ويستغل ياسر رزق موقعه في تلميع السيسي والسعي للإبقاء عليه مدى حياته؛ بدعوى أن مصر ليس بها أحزاب أو قوى سياسية، وهو يعلم أن السيسي قتل واعتقل وسجن أي سياسي أو حزبي يمكن أن يكون رمزا، ويمنع الأحزاب السياسية من حتى اللقاء للترتيب لأي انتخابات لأن المخابرات هي التي تختار النواب!.

ويقول الكاتب الصحفي أنور الهواري، رئيس تحرير الأهرام الاقتصادي السابق، إن الحديث الجاد عن الإصلاح الحقيقي يلزمه الوقوف عند ثلاث معضلات بحسب قوله هي:

١ -سياسة السجون، حيث السجون هي الأفق السياسي الوحيد الذي يعتمده نظام الحكم، وحيث السجون هي العلاج الجاهز لكافة مشكلات السياسة، وهي مصير ومآل كل من يفكر في عمل سياسي حقيقي مستقل عن توجيهات السلطة، فالسجون تحولت من أداة عقابية إلى حالة عقلية ومنهجية سياسية.

٢ -اقتصاد الديون، حيث استدانت مصر في الفترة من ٢٠١٣م إلى ٢٠١٩م، أرقامًا مهولة غير مسبوقة في تاريخها كله منذ كان لمصر على وجه الأرض تاريخ، فالاستدانة ومعها الجباية لم تعد للضرورة، وإنما أصبحت الحل الجاهز لكل مشكلات الاقتصاد، وهذا الإفراط في الاستدانة يخلق اليوم ركودا، وربما يخلق غدا رهونا أو إفلاسا.

٣ -حكم الفرد، حيث يتم إلغاء الشعب من معادلة الحكم، وتفريغ المؤسسات من استقلالها الذاتي، ونسف كل عناصر التوازن بين سلطة الفرد وصلاحيات المؤسسات، وتمكين الحاكم الفرد من بسط هيمنة غير محدودة على كافة السلطات، مما أنتج ديكتاتورية فردية محضة وصافية وخالية من كل شوائب الديمقراطية.

Facebook Comments