بعد سلسلة من الجرائم ضد الليبيين وقصف المستشفيات والمطارات المدنية ومؤسسات الدولة الليبية عبر طيران الانقلابي خليفة حفتر، برعاية وتمويل إماراتي وتنفيذ وتخطيط من قبل السيسي ومخابراته، والتي أفشلها استبسال قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا برئاسة "السراج"، تفتق ذهن السيسي ومخابراته عن طرح مبادرة لامتصاص انتصار قوات السراج تتمثل في تعويم حفتر، خاصة مع تيقن السيسي ومخابراته وفرنسا من ضعف اللواء المتقاعد وعدم قدرته على الحسم في ليبيا، واحتمال انتصار الحكومة الليبية وتمددها نحو الشرق الليبي ما يعد أكبر تهديد للسيسي ومخابراته، التي تراهن على استمرار اختراقها للأمن الليبي وبقاء حليفها العسكري في سدة حكم شرق ليبيا.

وقدم السيسي مبادرة شفهية لتسوية الخلاف والصراع الدائر فى ليبيا، تتضمن إقامة حكومة وحدة وطنية مشتركة وإنشاء جيش محايد وهدنة طويلة، تستهدف في الأساس إنقاذ حفتر.

مبادرة إنقاذ

وأشارت مصادر إلى بدء مفاوضات غير مباشرة، منذ أيام، بين قيادات موالية لحكومة الوفاق وأخرى موالية للواء خليفة حفتر برعاية مصرية، مشيرا إلى أن توقف القتال في جنوب طرابلس منذ أيام يرتبط بالمفاوضات الجارية، استباقا لحراك دولي نحو حث الأطراف الليبية للتوجه للحلول السلمية.

وكان السيسي قد استقبل حفتر في زيارة لم يعلن عن تفاصيلها، مطلع شهر أغسطس الحالي، وتلقى في الوقت نفسه اتصالا من ماكرون استعرض بشكل أساسي تطورات الملف الليبي، وأكد خلاله السيسي مساندة مصر لجهود "الجيش الوطني الليبي" (المسمى الرسمي لمليشيا حفتر والمعترف به في مصر)، في مكافحة الإرهاب والقضاء على التنظيمات الإرهابية" وفقا لرؤية قائد الانقلاب.

وكانت اللجنة المصرية المكلفة بمتابعة الملف الليبي، قد تمكنت من إقناع حفتر وقيادات موالية لحكومة الوفاق بالبدء في حوار غير مباشر من أجل الاتفاق على عدة نقاط تبنى على أساسها بنود اتفاق نهائي، في ظل عجز طرفي القتال عن حسم المعركة التي بدأت منذ إبريل الماضي.

وقال المصدر، إن "حفتر قبل بالحوار بهدف تحييد قوة مصراتة التي يجري التفاوض من أجل انسحابها من جبهات القتال في طرابلس، مقابل ضمانات تؤكد عدم دخول مليشيات غرب ليبيا الموالية لحفتر إلى طرابلس"، موضحا أن القيادات العسكرية المنخرطة في الحوار غير المباشر طالبت بضرورة تفكيك وتحييد مليشيات ورشفانة ومليشيات اللواء السابع من ترهونة.

وبحسب المصدر، فإن القاهرة تقترح على الطرفين تشكيل قوة مشتركة من وحدات عسكرية منضبطة من جانب حفتر ومصراتة لبسط السيطرة على طرابلس وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة شرط حل البرلمان المنعقد بطرابلس وبقاء الموجود بطبرق كسلطة تشريعية وحيدة تمنح الحكومة الجديدة شرعية السلطة التنفيذية.

اتهامات لمصر

فى سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية مصرية وأوروبية في القاهرة عن وقوع "خلافات في وجهات النظر بين فرنسا ومصر بشأن الوضع الميداني والسياسي في ليبيا"، نتيجة رفض باريس للعديد من الممارسات التي ترتكبها مليشيات شرق ليبيا بقيادة اللواء خليفة حفتر، والتي تحظى بدعم مصري وإماراتي مباشر. ويتركز الخلاف على استمرار قصف مليشيات حفتر للمنشآت والمرافق المدنية، كالطائرات ومحطات المياه والوقود، بدعوى استخدامها في إخفاء عناصر أو معدات عسكرية استوردتها حكومة الوفاق المعترف بها دوليا من تركيا ودول أخرى.

ويحاول السيسي تجاوز هذه الخلافات قبل قمة السبع الكبرى المقرر عقدها في فرنسا نهاية شهر أغسطس الحالي، والتي كان يأمل أن ينجح قبلها في تغيير توازن القوى الميداني لصالح حفتر، بهدف انتزاع مباركة أمريكية وأوروبية لدعم مصر له.

وقالت المصادر، إنّ باريس تلقي اللوم على القاهرة في استمرار قصف حفتر لهذه المنشآت لأسباب مختلفة، أبرزها أنّ اللواء المتقاعد يحصل على المعلومات والبيانات اللازمة لهذه العمليات من الاستخبارات الحربية المصرية. يضاف إلى ذلك أن مصر تؤمن إمداده بالمعدات والذخائر اللازمة لذلك، "في وقت كانت فيه فرنسا تحاول الوصول إلى اتفاق مع إيطاليا ودول أخرى للعمل سوياً على تقليص إمدادات الذخيرة والسلاح للطرفين المتناحرين في ليبيا، سعيا للوصول إلى نقطة يمكن البناء عليها لإرغامهما على العودة لمسار المفاوضات السلمية."

وتأتي هذه المقترحات بعدما دعت وزارة الخارجية المصرية الأسبوع الماضي، البعثة الأممية في ليبيا إلى "التعاون والانخراط بشكل أكبر مع الممثلين المنتخبين للشعب الليبي، لبلورة خطة الطريق المطلوبة للخروج من الأزمة الحالية"، في إشارة لمجلس النواب المنعقد بطبرق، مؤكدة أن المجلس هو الجهة الوحيدة "المناط بها التصديق على أي خارطة طريق قادمة للخروج من الأزمة الليبية، ووضع القواعد الدستورية اللازمة لتنظيم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية".

تدخل سافر

ولقيت هذه الدعوة معارضة واسعة من قبل حكومة الوفاق ووزارة خارجيتها، اللتين اعتبرتاها "تدخلا سافرا في الشأن الليبي الداخلي". وتشير معلومات المصدر الحكومي إلى وجود معارضة بين شرائح عديدة في طرابلس لحصر حوار حفتر مع قيادات عسكرية من مصراتة دون إشراك الجهات الحكومية في طرابلس، ما يهدّد الحوار بالفشل.

لكن حفتر، بحسب المصدر، يعول على نجاح حواره مع قيادات مصراتة العسكرية لتحييد قوتها، كونها أبرز القوى التي تشكل غالب جبهات القتال في جنوب طرابلس، بالإضافة لامتلاكها للقاعدة الجوية الوحيدة التي تمكنت من فرض حصار جوي على قواته في الخطوط الخلفية لها، ولا سيما في الطرقات الرابطة بين الجفرة وتمركزات قواته في مناطق جنوب طرابلس.

Facebook Comments