يبدو أن القضاة لا يجدون مخرجا من الأزمة التي وضعوا أنفسهم بها، بعد أن تم إنشاء حساب مفتوح لتأييد جرائم النظام، مقابل أنهار العسل واللبن المصفى التي وعدهم بها قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، إلا أن الجزاء في نهاية الأمر كان جزاء سنمار، بعدما وصلت المشكلات والأزمات المادية للقضاة لحافة الانهيار، حتى إنهم لم يحصدوا “بلح الشام ولا عنب اليمن”، حيث إنهم لم يجدوا الامتيازات المالية التي كانوا يأملونها، كما أنهم لم يحصلوا على استقلال القضاء الذي كان بين أيديهم، بعد أن سلب السيسي اختصاصاتهم، ويسعى لتكبيلهم بشكل أكثر من خلال التعديلات الدستورية.

وتأكيدا لما انفردت به “الحرية والعدالة” في تقارير سابقة، عن الأزمة المالية للقضاة، والمطالب التي نادى بها أعضاء الهيئات القضائية بتعديل رواتبهم، ورفض وزارة المالية، كشفت تقارير صحفية أن قنوات الاتصال فتحت من جديد بين القضاة وبين نظام الانقلاب، في الوقت الحالي بعد الحديث عن التعديلات الدستورية، التي يستعين فيها السيسي بالقضاة، الأمر الذي أدى لموافقة النظام فتح قنوات الاتصال والتفاوض حول رواتب القضاة والتعديلات الدستورية الخاصة بالهيئات القضائية، من أجل المشاركة في الإشراف على الاستفتاء الخاص بتعديلات السيسي الدستورية.

وقال تقرير منشور على صحيفة “العربي الجديد” اليوم السبت: إن نظام الانقلاب فتح قناة سرية للتواصل مع أعضاء الهيئات القضائية المختلفة للتفاوض معهم حول الملاحظات التي أبداها القضاة على التعديلات الدستورية الخاصة بمواد القضاء في الدستور، خلال الجلسة الثانية مما يسمى “الحوار المجتمعي حول التعديلات”، يوم الخميس الماضي، في مقر البرلمان.

ونقلت الصحيفة عن مصادر قضائية في محكمة النقض، أن “الجلسة سبقتها محاولات للتنسيق بين القضاة الذين تم اختيارهم للحضور وإبداء الرأي، للاتفاق على معادلة (الخروج بأقل الخسائر الممكنة) بالتركيز على مسألتين فقط من دون باقي المشاكل التي تتضمنها التعديلات في ما يخص استقلال القضاء، هما موضوع استقلال موازنات الجهات والهيئات القضائية، وعدم ترؤس وزير العدل للمجلس الأعلى للهيئات القضائية الجديد في حال غياب رئيس الجمهورية.

وأضافت المصادر في تصريحاتها أن إدارة البرلمان اختارت الشخصيات القضائية على أسس أمنية بحتة، فتمّ أولاً استطلاع آراء أكثر من 150 قاضيا سابقا وحاليا من جميع الهيئات، ووُجّهت الدعوة إلى عدد محدود بناء على بيان من الأجهزة الأمنية وكذلك مدى قابلية الحضور لتوجيه انتقادات بسيطة أو صورية للتعديلات، مع عدم الحديث عن عيوب المواد الخاصة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، والسماح فقط بتناول المواد الخاصة بالسلطتين القضائية والتشريعية”.

وعلى هذا الأساس تم استبعاد قضاة مجلس الدولة بشكل واضح من قائمة الحضور، فاقتصر تمثيل المجلس على رئيسه الأسبق فريد نزيه تناغو، صاحب حكم حل حزب الحرية والعدالة، فيما رفض باقي القضاة السابقين والحاليين بمجلس الدولة الذين اقترحت أسماؤهم لحضور الحوار، المجيء بسبب عدم السماح لهم بالحديث الموسع عن مشاكل المادة الخاصة بمجلس الدولة، والذي سيتم تجريده من صلاحياته الإلزامية في مراجعة مشاريع القوانين والإفتاء للجهات الحكومية ومراجعة العقود الإدارية.

وأكدت المصادر أنه بات واضحا من هذا الانتقاء أن النظام ماض بثبات إلى هدفه بتخريب المجلس وإلغاء دوره الكبير الذي اكتسبه في الدساتير المتلاحقة، بسبب إصداره أحكامه القاضية بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، وتعطيله عددا من مشاريع الحكومة لإصدار قوانين مشوبة بعدم الدستورية أو سيئة السمعة. كما تدخل المجلس في التعاقدات التي أبرمتها الجهات الحكومية مع بعضها ومع الغير بموجب الدستور والقانون كضمانة للتنافسية والالتزام بمشروعية العقود وحمايتها من البطلان لاحقاً.

وأوضحت المصادر أنه “قبل انعقاد الجلسة ببضعة أيام تلقت الهيئات المختلفة إشارات من وزارة العدل وأجهزة مختلفة، كالمخابرات العامة والأمن الوطني، بأن القضاة إذا لم يعارضوا علناً وضع تعديل دستوري ينص على تعيين رئيس الجمهورية لرؤساء الهيئات القضائية، فإنه من الممكن إبداء بعض المرونة بشأن استقلال الموازنات الخاصة بالهيئات، وصرف النظر عن مقترح إعادتها مركزية التحكم بيد وزارة العدل كما كان الوضع في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك”.

و رجّحت المصادر أن “يكون النظام قد تعمد حذف نص استقلال الموازنات من مقترح التعديلات الدستورية، حتى ينشغل القضاة في الدفاع عنه والاصطفاف حوله لأنه مطلب موحّد بالنسبة لهم، وغضّ النظر عن المواضيع الأكثر أهمية لمشروع سيطرة عبد الفتاح السيسي على القضاء، وهي: تعيين رؤساء الهيئات جميعاً، بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا التي تحظى حتى الآن بوضع مستقل، وضمان التحكم الرئاسي في الأعضاء الجدد بالمحكمة الدستورية وهيئة مفوضيها وعدم تركها للجمعية العمومية للمحكمة، وتجريد مجلس الدولة من صلاحياته التي يمكن أن تمثل أزمة للنظام، إلى جانب التحكم الكامل أيضاً في منصب النائب العام”.

وقالت مصادر أخرى في مجلس الدولة إن “هناك غضباً متزايداً بسبب تعمّد السكوت على التعديلات الدستورية الخاصة بالمجلس”، مشيرة إلى أن “مسألة استقلال الموازنات تعني القضاة فقط، لكن صلاحيات المجلس تعني جميع المواطنين، كما أن المحاكم كانت تقوم بدورها بفاعلية في العديد من المراحل التاريخية في ظل موازنات غير مستقلة ويحكمها وزير العدل”.

وقالت المصادر إن “رئيس المجلس المعين باختيار السيسي، المستشار أحمد أبو العزم، قرر عدم الاستجابة لأي مطالبة بعقد جمعية عمومية للاعتراض على التعديلات. وحذّر بإحالة القضاة المخالفين للمحاذير الإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى التفتيش تمهيداً لفصلهم. وهو ما تسبب في شيوع دعوة مقاطعة القضاة لأعمال الإشراف على الاستفتاء المقرر إجراؤه في نهاية إبريل أو مطلع مايو المقبلين”.

ونقلت صحيفة “العربي الجديد” عن مصدر في وزارة العدل إن “مسألة استقلال الموازنات ستُحسم بقرار من السيسي نفسه، ولا أحد غيره، وأنه كان قد تلقّى نصائح بعدم الخوض في هذه النقطة قبل طرح التعديلات في البرلمان رسمياً، لكنه اختار الدفع بها لجس نبض القضاة ومقايضتهم أيضاً”.

وأكد المصدر أن “السيسي لديه رغبة حثيثة منذ سنوات بعودة السيطرة المالية على القضاة لوزارة العدل وحدها، وإسناد عملية توزيع المخصصات المالية لكل هيئة إلى المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية الذي يرأسه السيسي وينوب عنه في رئاسته وزير العدل. فضلاً عن حرمان كل هيئة من رفاهية توزيع فوائض الميزانيات على أعضائها في صورة مكافآت أو بدلات، كما كان يحدث في السنوات الست الماضية، وذلك نظراً لتملص القضاة المستمر من القيود المالية التي وضعها السيسي، المتمثلة في قانون الحدّ الأقصى للأجور وخفض جهات انتداب القضاة للعمل كمستشارين للحكومة وتطبيق الدفع والتحصيل الإلكتروني، واستمرار محاولتهم إخفاء مخصصاتهم عن الرقابة”.

وعلى الرغم من اعتراض القضاة الجماعي على هدر استقلال الموازنات، فإن التعديلات الحالية قد تكون مُرضية للبعض بهدف إحداث تغيير جذري في حجم مخصصات الهيئات، لأن أعضاء النيابة الإدارية وقضايا الدولة والقضاء العادي، بنسب متفاوتة، لطالما شكوا عدم استفادتهم من فوائض الميزانيات أسوة بمجلس الدولة والمحكمة الدستورية، نظراً لانخفاض عدد أعضاء وموظفي الهيئتين الأخيرتين.

Facebook Comments