أثار الهجوم على الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي انتقادات لاذعة لدولة العسكر التي لا تحترم عالما كبيرا بقدر قامة الشيخ الشعراوي وتسلط المطبلاتية التابعين لها للهجوم عليه واستثارة مشاعر المصريين بعيدا عن كوارث الانقلاب الدموي في مختلف المجالات.

وقال متابعون: إن دولة العسكر تنتهك القيم والتقاليد الاجتماعية وتعمل على تفريغ المجتمع والشخصية المصرية من محتواها الديني والقيمي، مؤكدين أنها لم تكتف بنهب الثروات والموارد وبيع الأراضي المصرية وحقول الغاز للسعودية والصهاينة بل تحاول خلق شخصية مصرية تافهة لا يعنيها دين ولا تدافع عن أرض ولا تستنفر عند وقوع انتهاكات القيم والمبادئ.

كانت إعلامية مجهولة تدعى أسماء شريف منير قد انتقدت الشيخ الشعراوي عبر صفحتها على الفيس في تعليق قالت فيه "طول عمري أسمعه (الشعراوي) مع جدي، لم أكن أفهم كل شيء آنذاك، لكن لما كبرت شاهدت فيديوهات، لم أصدق نفسي من شدة التطرف، كلام.. عقلي لم يستوعبه فعلا، وتعجبت حقيقة".

كما تطاول فنان يدعى خالد أبو النجا على الشيخ الشعراوي في تغريدة له على تويتر، وزعم أن الداعية الكبير "مثال صارخ للجهل بالعلم، بل تباهى بعدم قراءته لغير القرآن، الوهابية في أبشع تجلياتها".

ماذا يريد العسكر من وراء الهجوم على الشيخ الشعراوي واتهامه بالتطرف؟

يرى الشيخ محمد الصغير مستشار وزير الأوقاف السابق أن الهجوم على الشيخ الشعراوي هذه المرة ليس زلة لسان، وإنما توجه عام لهز الثقة في مفهوم التدين من خلال إسقاط رموزه، مشيرًا إلى أنه خلال الأشهر الماضية تكررت نفس الهجمة من إبراهيم عيسى ومفيد فوزي.

 نظام علمانى

وقال الصغير ان نظام الحكم الحالي عسكري متسلط، وعقيدته علمانية متوحشة، يهاجم ويتطاول على كل من لا ينضوي تحت لوائه من المارقين أو المتطرفين من وجهة نظره لافتا الى ان هذا النظام الدموى يحاول إسقاط رمزية الشيخ الشعراوي عند جماهير المسلمين الذين انعقدت قلوبهم على محبته كما هاجم من قبل الإمام البخاري والسنة النبوية وغيره من العلماء والمتخصصين .

وانتقد إقدام بعض الكتاب والفنانين على إطلاقهم وصف التطرف الديني هكذا بلا معرفة دينية موثوقة، حتى أصبح ذلك الوصف يطلقه الماجن على المتعفف، والفاسق على الناسك، دون أي ضوابط أو معايير .

واشار الصغير الى انه من المعروف أن أصحاب كل تخصص يغارون على تخصصهم، ويرفضون الدخيل عليه إلا العلم الشرعي فهو كالكلأ المباح، وبالتالي أصبح من يملك الكلمة أو السلطة يستطيع أن يصم من يشاء بما شاء .

اغتيال معنوي

وقال الكاتب زالباحث السوري أحمد دعدوش: إن الشيخ الشعراوي تعرض لهجمات كثيرة في حياته وبعد مماته، لكن الموجة الأخيرة لافتة للنظر؛ إذ بدأ الأمر بتعليق عابر لإعلامية غير مشهورة على صفحتها، ثم سرعان ما اعتذرت عنه، لكن مشاهير آخرين سارعوا لركوب الموجة، وإشعال فتيل الجدل.

وأضاف: لم يتعرض أحد لمثل هذه المحاولات من الاغتيال المعنوي أكثر من الشعرواي، فهو يحظى بمكانة فريدة في نفوس الجمهور، وكل ما يقال عن تشدده المفترض نجده لدى مفتين ودعاة آخرين متشددين بالفعل لكن لا يكاد يتعرض لهم أحد.

وذكر دعدوش: "في عام 2013 أصدر الصحفي العلماني شريف الشوباشي كتابًا بعنوان "لماذا تخلفنا؟ ولماذا تقدم الآخرون؟"، وخصص آخر ثلاثين صفحة منه لتقصي كل مقولة لا تناسب توجهه العلماني من أقوال الشعراوي على مدى عقود، حتى لو كانت مما أجمعت عليه الأمة، معتبرًا ذلك "من أسباب تخلفنا".

ولفت إلى أن "هذا كله يذكرنا بتقرير مؤسسة راند الأمريكية الصادر عام 2007 بعنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، والذي أوصى بالتصدي لكل العلماء والدعاة "التقليديين" و"الأصوليين"، وبما أن الشعراوي محسوب حسب تصنيفهم على "التقليديين" فيجب إسقاط رمزيته والقضاء على منهجه بكل طريقة ممكنة، لإفساح المجال أمام الفئتين الأخيرتين من المسلمين وهما "الإسلاميون الحداثيون" و"العلمانيون".

تنوير راديكالي

وأوضح مصطفى زهران، باحث متخصص في حركات الإسلام السياسي، أن "مصر منذ أفول نجم الإسلام السياسي تعيش حالة من عدم التوازن المجتمعي دينيا وثقافيا ومعرفيا، نتيجة هذا الغياب الذي رافق الفترة الأخيرة منذ الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي إذ كانت ثنائية الإسلاميين والعلمانيين حاضرة بقوة في مشهد تنافسي كل له أنصاره وفريقه، ينتصر كل منهما لفكرته بعد أن يطرح أفكاره.

وقال: بالنسبة للحظة الراهنة، في الواقع المجتمعي والسياسي في مصر، لا وجود للإسلام السياسي على الإطلاق، وأصبح هناك تيار بعينه يستأثر بالمشهد لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا تعرف ماهيته، أصبح بمثابة تيار ثالث يهدم تصورات وأفكار مجتمعية راسخة في أذهان العامة والخاصة على حد سواء.

وأضاف زهران أن ذلك التيار يتمركز بشكل دقيق في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا يعرف إن كان منظمًا أم يعمل بشكل عشوائي، الأهم أنه ليست لديه خطوط حمر، وهو ما برز في النيل من إمام الدعاة الشيخ الشعراوي، وكأنه فعل منظم، وليس عفويا.

وحذر من أن ذلك التيار "يتوارى خلف فكرة التنوير بيد أنه يسعى إلى هدم القيم الدينية والخطاب الإسلامي الوسطي، وبذلك يفتح الطريق على مصراعيه نحو الفهم الراديكالي للإسلام من جهة، ومزيد من التفسخ والتراجع القيمي من جهة أخرى.

Facebook Comments