في الوقت الذي كان العسكر يرفض نشر خبر مقتل 20 شخصًا هم عدد ضحايا الانفجار، الذي وقع بمحيط معهد الأورام في منطقة المَنيل وإصابة ثلاثين آخرين، لم يرد بيان رسمي يشير إلى أن الانفجار ناجم عن هجوم.

إلا أن “شفرة” المنقلب عبد الفتاح السيسى والتي أطلقها من حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي مدينًا فيه الحادث الإرهابي، دفعت داخلية العسكر لاستحضار أرشيف “شماعة” الإخوان المسلمين واتهامها بارتكاب الهجوم.

إلا أن تضارب الروايات التي نُشرت “رسميًّا” يثبت بما لايدع مجالاً للشك أن هناك أمورًا غير مفهومة تؤكد عدم صدق الرواية الأخيرة لدولة العسكر بوقوع انفجار جراء عمل إرهابي، نثبت ذلك من خلال “5” ثغرات رصدها تقرير نشرته صحيفة “العربي الجديد”، وجاءت كما يلي:

(1):

ظهرت منذ اليوم الأول لتعامل وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب مع الحدث، هي توجيه الاتهام الجاهز لحركة “حسم” بالمسؤولية عن الانفجار، بالرغم من نفي الحركة ضلوعها فيه، وفشل الشرطة في تقديم أيّ دليلٍ على استمرار الحركة في ممارسة نشاطها من الأساس منذ عامين على الأقل، خصوصًا بعد إلقاء القبض على معظم المتهمين الذين توصلت إليهم التحريات، والذين ضلعوا في الأحداث السابقة التي أعلنت الحركة مسؤوليتها عنها، وتقديمهم للمحاكمة في قضايا عدة، كان آخرها العام الماضي.

وتعكس هذه الثغرة ضعف البنية المعلوماتية وكفاءة جمع البيانات لدى الشرطة المصرية، تمامًا كما حدث في عملية كمين الواحات الشهيرة في خريف العام 2017، عندما وجهت الشرطة اتهاماتها لتنظيمات قائمة، ثم تبين أن الخلية المتورطة، والتي أعلنت مسؤوليتها، هي خلية جديدة تعمل بشكل منفصل هيكليًا عن تنظيم “المرابطين” في ليبيا، وحينها منذ أشهر عدة، في صحراء مصر الغربية من دون أن تعلم عنها السلطات شيئًا بتاتًا.

(2):

عدم توضيح الوجهة النهائية لـ”السيارة المفخخة والإرهابي الانتحاري”، فإذا كانت النتائج التي توصلت إليها الشرطة حقيقية وسليمة بشأن هوية “الانتحاري عبد الرحمن خالد محمود”، وأنه بالفعل من قاد السيارة المفخخة، والشخص الذي التقطت صورته كاميرات المراقبة في الطريق المؤدية لموقع الحادث، فلا يوجد ذكر في رواية الداخلية للوجهة التي كان ينوي الانتحاري (عبد الرحمن خالد أو غيره) استهدافها بالفعل.

من جانبه، قال الكاتب الصحفي محمد منير: إنه تأكد أن الحادث ناتج عن انفجار خارجي وليس من داخل معهد الأورام، غير أنه أضاف أن قوة الانفجار لا تتماشى مع كون الحادث عبارة عن اصطدام سيارة خاصة مع سيارات أخرى.

وكان يتردد في البداية أن الحادث ناتج عن انفجار أنابيب غاز داخل معهد الأورام، ولكن شهادة سكان الحي تفيد بأن الانفجار ناتج عن اصطدام سيارات خارج المعهد الصحي الحكومي.

وبالرغم من أن الرواية الرسمية ذكرت أن الشرطة ألقت القبض على شقيق عبد الرحمن خالد، إبراهيم خالد، لفترة من الزمن قبل أن يحاول الهروب بصحبة زميل له يدعى إسلام قرني فتمت تصفيتهما معًا، إلا أنها لم توضح ما إذا كان إبراهيم، شقيق الانتحاري المفترض، قد أدلى بأي معلومات تخص الوجهة النهائية للعملية الانتحارية، على الرغم من أن الطبيعي هو الإدلاء بهذه المعلومات الأساسية في سياق جمع المعلومات عن الحادث.

وعلى ما يبدو، فإن وزارة الداخلية نفسها متشككة في أن يكون معهد الأورام هو الوجهة النهائية للعملية؛ إذ استخدمت تعبير “سارت عكس الاتجاه بطريق الخطأ” في وصفها لتحرك السيارة قبل انفجارها، قادمة من شارع صلاح سالم ثم شارع سور مجرى العيون، لتدخل في اتجاه معاكس إلى شارع كورنيش النيل المتجه أساسًا نحو المعادي، جنوب القاهرة، بدلاً من الدخول إلى شارع قصر العيني المتجه شمالاً نحو مجلس الوزراء ومجلس النواب وميدان التحرير وسفارتي بريطانيا والولايات المتحدة، وعدد من الفنادق الفارهة، لكنها لم تعط أي حل لهذا اللغز.

(3):

العجز عن إثبات علاقة الشاب المقبوض عليه حسام عادل، والشبان الذين تمت تصفيتهم وعددهم 17، بالعملية الإرهابية ذاتها، وذلك لأن استناد الداخلية في إجرائها عملية التصفية الواسعة هذه إلى المعلومات المستقاة من كلا المتهمين، المقتول إبراهيم خالد والمقبوض عليه حسام عادل، لم يسفر عن التوصل لأي معلومات إضافية عن الحادث، وما إذا كان الانتحاري (بالافتراض أنه عبد الرحمن خالد) مرتبطًا بعلاقة تنظيمية بهؤلاء المقتولين، والذين زعمت الشرطة أنها قتلت ثمانية منهم في إطسا بالفيوم، وسبعة في الشروق، شرق القاهرة، واثنين آخرين في مكان غير معلن.

كانت داخلية الانقلاب قد كشفت الخميس، عن هوية منفّذ حادث تفجير أمام “معهد الأورام” وسط القاهرة قبل أيام، مشيرة إلى تصفية 17 شخصًا إثر مواجهات مسلحة مع مجموعات مرتبطة بمنفذ الحادث “الإرهابي”.

وبالتالي فإن محاولة “تفصيل” العلاقة بين المقتولين والعملية الإرهابية، تعيد إلى الأذهان محاولات الداخلية المستمرة لإخفاء الحقيقة في العديد من الأحداث السابقة واختلاق روابط سببية وتنظيمية غير منطقية بين مجموعات تم القبض عليها أو تصفيتها وبين عمليات كبرى، كما حدث في معظم عمليات الصحراء الغربية عندما كانت الشرطة تعلن بعد كل حادث بأيام “الثأر” ومقتل عدد من التكفيريين في معسكرات ومزارع بمحافظات الصعيد، ثم تتبين لاحقًا مسؤولية جماعات أخرى أكثر تنظيمًا، وتنتشر قصص عن سابقة القبض على بعض المعتقلين أو المقتولين بمناسبة العمليات الجديدة.

(4):

مقطع التسجيل الصوتي المنسوب للمقتول إبراهيم خالد، شقيق المتهم بالعمل الانتحاري، مع المتهم الهارب المدعو محمد عايش، يعتبر دليلاً على عدم العلم بالتفاصيل، أكثر من كونه برهانًا على إلمام المقتول ورفاقه بما حدث؛ إذ تحدث إبراهيم خالد عن شقيقه بأنه رفض ضمان قناة دائمة للتواصل معه، كما كان المتهم الهارب، الذي تنسب له الشرطة الإعداد والتخطيط والتمويل، لا يعلم مستجدات الموضوع من الأصل، وبدا وكأنه يبحث عن عبد الرحمن خالد.

(5):

الطريقة التي تحدث بها المتهم الوحيد المعتقل حاليًا، حسام عادل، في المقطع القصير الذي أذاعته الشرطة، والتي تكاد تكون متطابقة مع بيان الداخلية، وكأنه يقرأ من ورقة أو تم تحفيظه كلامًا بشكل مسبق، فلم يدل بأي كلمة إضافية يمكن تفسيرها بأنها عفوية، فضلاً عن الادعاء بأنه من نظّم لقاءً أخيرًا للانتحاري مع أفراد أسرته في حديقة الأزهر وسلمه السيارة المفخخة، وذلك من دون توضيح كيفية الحصول عليها وهي مسروقة، وأين قضى المتهم الساعات الفاصلة بين هذا اللقاء والحادث.

وسبق أن قالت داخلية الانقلاب بحكومة الانقلاب: إن “حركة حسم التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية وراء الإعداد والتجهيز لتلك السيارة استعدادا لتنفيذ إحدى العمليات الإرهابية بمعرفة أحد عناصرها”.

وآنذاك نفت حركة “حسم” التي تعد في مصر إرهابية، مسؤوليتها عن ذلك، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية معارضة وحسابات متدوالة بمنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما لم يتسن التأكد من صحته بشكل فوري.

وفي أكثر من مناسبة عبر بيانات وتصريحات رسمية، أكدت جماعة الإخوان رفضها العنف، وتبرأت من حركة “حسم” التي ظهرت في 2016، وتبنت عدة عمليات مسلحة، مستهدفة قضاة ومسؤولين أمنيين وعسكريين في البلاد.

Facebook Comments