قالت صحيفة “تليجراف” البريطانية، في تقرير لها عن العاصمة الإدارية الجديدة، إن العاصمة بُنيت لحماية قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي من خطر الثورة والاحتجاجات الشديدة على غرار ثورة يناير، بما يجعل الشعب الغاضب غير قادر على الوصول لها بسهولة، مشيرة إلى تحصين العاصمة بقوات خاصة وشرطة وجيش، وإدارتها بكاميرات مراقبة تكشف هوية من يسيرون في المنطقة!.

وشدد مراسل الصحيفة “راف سانشيز”، في تقريره، على أن المدينة المبنية في الصحراء القاحلة تجهزت على غرار “المنطقة الخضراء” المعزولة ببغداد، التي تحصنت فيها حكومة الاحتلال الأمريكي بعد غزو العراق، وأن هذا المشروع الضخم يعبر عن طموحات ومخاوف حكومة السيسي في آن واحد، منذ مجيئه إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 2013، أعقبه حملة قمعية متواصلة بلا هوادة ضد المعارضة.

وذكرت “تليجراف” أن العاصمة الجديدة تأخذ مصر إلى عصر المماليك الذين حكموا من “القلعة” منعزلين عن الشعب، وخوفًا من الشعب بنوا قلعة منعزلة عنه، وأن السيسي يأخذ مصر لعصر المماليك.

عاصمة الصحراء

ورصدت الصحيفة التشابه بين ما يفعله قائد الانقلاب ببناء قلعة محصنة له في العاصمة الإدارية، وبين ما فعله المماليك الذين حكموا مصر منعزلين عن الشعب، حين شيدوا قصورا معزولة وقلعة لحكم الشعب من وراء أسوار محصنة، وتركوا العاصمة للهروب من غضب الشعب.

وعلقت الصحيفة بالقول إن السيسي “بعاصمته الصحراوية الجديدة يعود إلى هذا النموذج الذي ينتمي للعصور الوسطى، عبر وضع الحكومة المصرية خلف أسوار مرتفعة بعيدا عن شعبها”.

وتقول الصحيفة، إن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة في مصر يهدف إلى الحد من تهديد الثورة على النظام الحاكم، ولذلك يجري العمل على قدم وساق، وإنفاق المليارات للانتهاء منها باعتبارها حاجة أمنية، تمهيدًا لانتقال السيسي وأركان حكمه إليها العام المقبل 2020، خصوصا مع تصاعد الغضب الشعبي بسبب إفقار الشعب والتعديلات الدستورية التي تخلد السيسي مغتصبًا للرئاسة.

ولتسريع البناء يشارك في أعمال البناء والإنشاءات في العاصمة الجديدة يوميًا نحو 200 ألف عامل، وإنفاق أموال بلا حساب على مشاريع لا يحتاجها الشعب، مثل بناء أعلى ناطحة سحاب في إفريقيا في حي المال والأعمال، الذي تبلغ تكلفة إنشائه وحده نحو 3 مليارات دولار، وتقوم عليه شركة حكومية صينية.

وسخرت من أن نقل الحكومة المصرية إلى الصحراء سيجعل المباني الحكومية في الصحراء الخالية بعيدًا عن القاهرة وعن المواطنين المصريين الذين تسعى في الأساس إلى خدمتهم!، كما أن توافر المياه للعاصمة الجديدة في ظل معاناة مصر بالفعل من نقص حاد في المياه بنسبة 40% بحسب معايير الأمم المتحدة، يزيد الأعباء على أحياء الفقراء لصالح الأثرياء.

البعد عن المظاهرات والمراقبة بالكاميرات!

وتنقل الصحيفة عن مسئولي العاصمة الإدارية مزاعم بأن الغرض منها تخفيف الزحام عن القاهرة، برغم أن المستوى السكني والإجراءات الأمنية المكثفة لا تناسب غالبية الشعب، لتؤكد هي أن هناك “هدفا خفيا لبناء هذه المدينة في الصحراء المعزولة، يتمثل في منع أي إمكانية لحدوث احتجاجات ضخمة على غرار تلك التي أطاحت بنظام مبارك عام 2011”.

ولتأكيد أنها قلعة محصنة للسيسي وأركان حكمه، تشير الصحيفة إلى أن الحي الأكبر في العاصمة الجديدة يضم قصرًا رئاسيًا لقائد الانقلاب، وقاعدة عسكرية للحرس الجمهوري الذي يحميه، كما أن الإجراءات الأمنية في هذه “المدينة الذكية” سيشرف عليها ضباط وزارة الداخلية من مركز للتحكم يستطيعون من خلاله تتبع حركة المواطنين عبر آلاف الكاميرات المنتشرة في العاصمة والمزودة بخاصية التعرف على الوجوه.

ولتأكيد ما ذهبت إليه الصحيفة، نقلت تليجراف عن “ميشيل دن”، الباحثة في مركز كارنيجي للسلام الدولي، قولها إن العاصمة الجديدة تشبه المنطقة الخضراء في بغداد التي شيدها الاحتلال الأمريكي، وأن السيسي “سيحكم إلى أجل غير مسمى من خلف سياج أمني يحميه من مطالب السكان”.

وكانت “ميشيل دن” قد وصفت العاصمة الإدارية التي يبنيها السيسي في شرق القاهرة بأنها “منطقة السيسي الخضراء” التي يسعى للتحصن فيها مع جنرالات الانقلاب والشرطة والجهات السيادية من الشعب، وتساءلت: “هل تفلح عاصمة مصر الإدارية الجديدة منطقة السيسي الخضراء في حمايته من شعبه؟”.

وقالت “دن”، في دراسة نشرها مركز أبحاث “كارنيجي” للسلام: إن السيسي استلهم الغزو الأمريكي للعراق في بناء هذه المنطقة، ما يجسد مدى تملك نفسية الغازي منه ومدى رعبه من المصريين، فلا يكتفي بقتلهم وتعذيبهم بل ويقيم مدينة يتحصن بأسوارها منهم”.

جدار الخوف

وأكدت “مشيل دن”، أن العاصمة الإدارية “تعيد بناء جدار للخوف يفصل المواطنين المصريين عن الدولة ومؤسساتها، حيث تم تحطيم هذا الجدار الذي بناه رؤساء مصر السابقون (ناصر والسادات ومبارك) خلال انتفاضة 2011، وهو ما أسعد الثوار من الشباب لكنه قرع أجراس الخطر عند كبار ضباط الجيش والمؤسسة الأمنية”.

ونقلت “تليجراف” عن الباحث ديفيد سيمز، مؤلف كتاب “أحلام الصحراء المصرية”، أن ما يقوله مسئولو نظام السيسي عن تسكين 6 ملايين مصري في العاصمة الإدارية “أكاذيب” لتبرير الحصن الذين يختبئون فيه من الشعب، خاصة أن المدن الجديدة الأخرى التي جرى بناؤها خلال الخمسين عامًا الماضية ظلت إلى حد كبير خالية من السكان.

وحذر “سيمز” من أن معدل إنشاء المنازل الفاخرة في العاصمة الجديدة ينطوي على خطر التسبب في انهيار في أسعار العقارات إذا لم يتوافر ما يكفي من المشترين لشراء المنازل التي يجري بناؤها.

وتنقل الصحيفة عن مصريين قولهم: “إن السيسي يريد تقسيم مصر إلى قسمين: “الناس الذين يعيشون حياة جيدة فخمة، والناس الذين يعانون في الشوارع بعيدا”، وأن “العاصمة الجديدة لفئة معينة”.

ويجري بناء المنازل على غرار المجمعات الثرية في دبي أو السعودية، ومن غير المحتمل أن يتمكن المصريون الفقراء من الانتقال إليها.

لماذا تنتشر الدبابات في العاصمة؟

ويوضح تقرير “تليجراف” مدى تورط الجيش في البيزنس، ومنه العاصمة الإدارية الجديدة، حيث “يشارك الجيش المصري بعمق في الاقتصاد تحت قيادة السيسي، ويشرف على العاصمة الجديدة، والشركة التي تسيطر على أرض العاصمة مملوكة بنسبة 51 في المائة من قبل الجيش، بينما تملك الحكومة 49 في المائة منها!.

ويشير إلى قيام الهيئة الهندسة للقوات المسلحة ببناء الوزارات الجديدة، بينما يتم تشغيل فندق كبير في الموقع من قبل شركة عسكرية أيضا، وتنتشر دبابات الجيش في جميع أنحاء العاصمة الإدارية كما لو كان الهدف هو تأكيد دور الجيش في هذا البيزنس!.

رابط التقرير:

https://www.telegraph.co.uk/news/2019/02/17/inside-egypts-vast-new-desert-capital-far-cairos-traffic-threat/