شكّل العام الحالي 2019، أحد أكثر الأعوام تحديًا للاقتصاد المصري وأشدها وطأة على المصريين، بداية من الإلغاء الكلي المنتظر للدعم، وتبعاته من سلسلة القرارات السلبية التي أصدرتها حكومة الانقلاب المصرية، بالرفع الجزئي للدعم عن أسعار (السولار، البنزين، الغاز الطبيعي)، والكهرباء والمياه، يبدو أن المواطن قد يصُاب مرة أخرى بنوبة قرارات سلبية جديدة.

وفى خطوة اعتبرها مراقبون أنها اتجاه انقلابي لرفع الدعم كليًّا عن “رغيف الخبز”، أكدت وزارة التموين بحكومة الانقلاب أنه لا توجد دولة في العالم تدعم الخبز كما يحدث في مصر، وقالت الوزارة: “مينفعش 70 مليون مواطن يحصلوا على رغيف الخبز بـ5 قروش.. يجب تحرير منظومة الخبز مع استمرار دعم الخبز بـ5 قروش للفئات الأكثر احتياجًا”.

وقبل شهرين، ألقت حكومة الانقلاب بـ”بالونة اختبار” للمصريين، بنفي رفع الدعم عن الخبز استجابة لشروط صندوق النقد الدولي.

وزعمت أنه لا صحة لتلك الأنباء تمامًا، مؤكدةً أنه لا صحة لإجراء أي زيادة في سعر رغيف الخبز المدعم، وأن الوزارة ملتزمة بصرف رغيف الخبز للمواطنين على بطاقات الدعم، بخمسة قروش دون أي زيادة، مشددةً على أن منظومة الخبز أصبحت حقًا أصيلاً من حقوق المواطن، وأن كل ما يُثار في هذا الشأن شائعات تستهدف إثارة غضب المواطنين خاصة مستحقي الدعم منهم.

ويشهد عام 2019، موجات قاسية من ارتفاع أسعار السلع والخدمات العامة المصرية، استكمالا لتطبيق لما أطلق عليه “برنامج الإصلاح الاقتصادي” المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، علاوة على العديد من الإجراءات الأخرى التي ستتخذها الحكومة، إما لتعظيم إيراداتها أو لتقليل التزاماتها النقدية تجاه المواطنين، أو للاثنين معا كما هو مرجح.

مخطط “النقد الدولى”

الدكتور قاسم عبد الحميد، الخبير والمحلل المالي، قال إن الأرقام لا تكذب مطلقا، والجميع يعلم أن الرقم الأكبر في إجمالي الدعم الذي تقدمه الدولة للمواطنين يذهب للمحروقات والخبز، مشيرا إلى أن تقليص دعم المحروقات اتخذت فيه الحكومة عدة خطوات، مؤكدا أن الخطوة القادمة هي تقليص دعم العيش خلال ٢٠١٨ وقبل نهاية المدة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي لإلغاء الدعم نهائيا قبل ٢٠١٩.

وأضاف عبد الحميد أن توجه الحكومة نحو تقليص دعم الخبز أصبح أمرا واضحا، بعد محاولاتها السابقة لتقليل حصة المواطن التي تم تأجيلها أو تخفيض وزن الرغيف، والتي تمت بالفعل، مشيرا إلى أن ذلك الأمر لا ينفصل عن التوجه العام للحكومة لتقليص الدعم تدريجيا قبيل إلغائه بشكل نهائي.

أمر مخيف

من جانبها قالت يمنى الحماقي، أستاذ الاقتصاد في جامعة عين شمس: إن ”رفع مقترح حكومي إلى الجهات العليا بإلغاء الدعم العيني، وإحلاله بالدعم النقدي هو أمر مخيف للغاية، محذرة من تطبيقه خلال الفترة الحالية في ظل غلاء المعيشة بالبلاد“.

وأوضحت الحماقي أن وزارة التموين عليها ترتيب الأولويات قبل النظر في رفع الدعم عبر تنقية المنظومة الحالية من غير المستحقين، إلى جانب تقسيم المواطنين إلى طبقات اقتصادية، وكذلك العمل على محاربة الفساد داخل المنظومة بداية من الموزعين وحتى أصحاب المخابز.

وشددت على أن هناك طبقات اجتماعية كاملة، تضم ملايين الأسر تعيش على دعم الخبز؛ لذا فإن التفكير في إلغائه وتحويله بتلك الطريقة أمر يثير المخاوف.

أما الناشط أحمد حيدر فقد أوضح أن الحكومة تجري في فلك بعيد تمامًا عن المواطن، وتفكر دائمًا في إقرار زيادات دون النظر إلى الحالة الاقتصادية في البلاد.

كانت دولة العسكر قد قررت منذ 2014، صرف 150 رغيفًا شهريًا من الخبز المدعم لكل مواطن، عندما تم تفعيل منظومة توزيع الخبز بالبطاقات الذكية بشكل رسمي.

محاور قتل المواطن

من جانبه، قال وائل النحاس الخبير الاقتصادي: إن تدخل الدولة لتقليص دعم الخبز في المرحلة الأولى ينحصر في فرق نقاط الخبز، التي تمثل 5.8 مليار جنيه سنويا، تخطط الحكومة للتخلص منها عن طريق عدة محاور، يتم دراستها حاليا لاختيار المناسب منها، مشيرا إلى أن المحور الأول يتمثل في إلغاء نقاط الخبز بشكل يتمثل في إلغاء نقاط الخبز بشكل نهائي.

وأوضح “النحاس” أن المحور الثاني يتمثل في إلغاء نقاط الخبز بشكل نهائي، موضحا أن كل الدراسات التي تقوم بها وزارة التموين على وجود فائض كبير في معدل استهلاك المواطنين، والدليل حجم النقاط الكبير الذي يتم استخدامه شهريا.

وأضاف “الخبير الاقتصادي” أن هناك توجها آخر لتقليص دعم الخبز، يتمثل في زيادة حجم الرغيف قليلا، وزيادة سعره لـ10 قروش، مع فتح الباب أمام إنتاج رغيف خبز يباع بشكل حر بـ50 قرشا، ليقلص العائد منه لجزء مما تتحمله الدولة لدعم رغيف الخبز، مؤكدا أن ما يثير شهية التموين لتقليص دعم الخبز، هو مبلغ 5.8 مليار جنيه، فرق نقاط الخبز.

80% من الدّعم يذهب للأغنياء

المستشار الاقتصادي يوسف محمد، يرى أن “الأغنياء ورجال الأعمال وأصحاب المصانع والفنادق السياحية والسيارات الفارهة، يستفيدون بأكثر من 80% من الدعم الحكومي”؛ مشيرا إلى أن “الكثير من رجال الحكومات السابقة هم أصحاب مصانع ولهم مصالح كبيرة في الإبقاء على الوضع على ما هو عليه، ومن ثَـمّ فقد ازداد الغني غِنى وازداد الفقير فقرًا”؛ نتيجة لرفع الدعم.

على العكس من ذلك، أوضح مصطفى حسن أن “الدّعم ضرورة وبند أساسي في موازنات الدول المتقدِّمة، بما فيها الأنظمة الرأسمالية، وهو حقّ لمن لا يعمل أو يمكنه دخله الشهري من العيش في مستوى آمن (الكفاف) طِبقا لمعايير كلّ دولة. أما في مصر، فإنني أستعير مقولة المفكّر الكبير العالِم د. جلال أمين: “الدّعم في مصر هو عبارة عن رشْوة للفقراء تُسهم في الصمت على فساد الكِبار”؛ معتبرا أن “الدعم لا يستفيد منه أصحابُه بقدْر استفادة الفاسِدين”، على حد قوله.

وفي تصريحات له، أعرب حسن عن تشاؤمه، وقال: “إن إلغاء الدّعم لن يحل المشكلة، وسترتفع الأسعار أكثر فأكثر”.

وفي السياق ذاته، أضاف أن “حكاية إلغاء الدّعم ورفع الأسعار ليس هدفها المواطن، وإنما تجميل صورة الدولة خارجيا لصالح الحكم”.

Facebook Comments